الصفحة الرئيسية > مجلة تصميم > عدد جيتكس ٢٠٠٢ > «بلاديوم» او ١٩٨٤ لجورج اورويل
«بلاديوم» او ١٩٨٤ لجورج اورويل
بقلم

كثر الحديث في المدة الأخيرة حول تقنية بلاديوم Palladium التي تطورها مايكروسوفت وتخطى كل النقاشات الأخرى حول امان اجهزة الكمبيوتر.
وتعددت الآراء حول هذه التقنية بشكل غريب لا سيما وان الكثيرين لا يعرفون بعد التفاصيل الدقيقة حول ما هو بلاديوم وماذا يفعل خاصة وان ما تعرضه مايكروسوفت في موقعها حول الموضوع (راجع : www.microsoft.com/PressPass/features/2002aug02/0821PalladiumFAQ.asp مثلاً) يعتريه الغموض. ولكن القراءة بين السطور ومتابعة النقاشات الكثيرة التي دارت حول الموضوع اتاحت استخلاص بعض العبر مما يشكل احدى دعائم بلاديوم وهو «الشبكة الآمنة». اما هذه العبر التي تم جمعها من المشاركين في هذه النقاشات فهي:
اولاً
تنوي مايكروسوفت تثبيت بلاديوم دي.آر.ام (DRM او Digital Rights Management) على شريحة مثبتة بدورها على اللوحة المنطقية لجهاز الكمبيوتر في خطوة اولى، لكن في ما بعد سيتم دمجها في المعالج نفسه لتستخدم وسائل تشفير مادية وليست برمجية. والهدف من ذلك تزويد كل ملف موجود في الجهاز بعلامة تحتوي توقيعاً رقمياً يمكن لجهاز خدمة بعيد التعرف عليه. واذا قرر جهاز الخدمة البعيد ان احد الملفات الموجودة في الجهاز المستخدم غير مرخص له يمكنه اعطاء امر لهذا الجهاز بمنع المستخدم من فتح الملف.
ويبدو ان هذه الخطوة تأتي في الاساس كمحاولة لمنع مستخدمي الكمبيوتر من تبادل ملفات الموسيقى MP3 ومشاهد الفيديو وغير ذلك.
ثانياً
قبل تشغيل تطبيق معين، يجب على هذا التطبيق ايضاً ان يخضع لتدقيق الخادم البعيد. واذا كانت الرموز البرمجية لهذا التطبيق لا تتناسب مع الرموز «المسموح بها» يرفض الجهاز تشغيل هذا التطبيق. والظاهر ان هدف هذه الوظيفة منع جهاز المستخدم من تشغيل تطبيقات «غير مسموح بها» قد تكون من التطبيقات التي يتبادلها المستخدمون ومن التطبيقات المجانية التي يتم عادة توزيعها في المشاع لان مطوريها لا يمكنهم تحمل تكاليف «الترخيص» لها. ويعني ذلك ان مايكروسوفت ستتمكن من التحكم بسهولة وبدقة بكل ما يسمح تشغيله وما يمنع تشغيله في جهاز المستخدم.
ثالثاً
كما لاحظ العديد من المستخدمين، تعتمد مايكروسوفت استراتيجية جعل البرامج قديمة بحيث يتم التوافق بين الاصدارات تصاعدياً وليس تنازلياً. وبفرض قانون حقوق الملكية للالفية الرقمية ( ACMD او Digital Millenium Copyright Act)، يصبح محظراً تطوير اي تطبيق يتوافق مع انواع الملفات الناتجة عن تطبيق آخر (يمنع مثلاً تطوير برنامج يمكنه فتح ملفات ناتجة عن وورد او اكسل). ومن الواضح ان هذا الامر يؤدي الى خنق اي منافسة محتملة في سوق التطبيقات لأنه لا يسمح لمطور اي برنامج ان يجعل منتجه يتوافق مع البرامج الاخرى الموجودة وبالتالي لن يهتم احد باستخدام هذا البرنامج. النتيجة ان الناس سيتوقفون عن استخدام البرامج او الانظمة البديلة عن تلك المحتكرة للسوق لان لا احد يستطيع قراءة ملفاتها. وب التالي، لا يعود هناك الا خيار واحد امام المستخدمين هو منتجات مايكروسوفت.
رابعاً
سيتسبب بلاديوم فعلياً في منع انتشار البرامج المجانية، وليس فقط تلك التي تعمل في بيئة ويندوز بل كذلك العاملة في بيئة لينكس وماكنتوش وعملياً في اي جهاز يعتمد على لوحة منطقية مزودة ببلاديوم ويعود السبب الى انه للسماح لتطبيق ما بالعمل في جهاز بلاديوم يجب على مطوره دفع مبلغ من المال لاصدار «رخصة امان» للبرنامج من قبل خدمة ترخيص مايكروسوفت. ومن غير المعقول ان يقوم اي مبرمج بدفع جعالات لمايكروسوفت بعد ان عمل على برنامجه ساعات واياماً ثم توزيع هذا البرنامج مجاناً على الجمهور.
وتصل الامور الى الأسوأ حين يتعلق الامر بمشاريع «المصادر الحرة» مثل لينكس وبي.اس.دي، ومن المعروف ان «المصادر الحرة» هذه يتم انشاؤها من قبل مطورين مستقلين موزعين في كل انحاء العالم ثم يوزعونها مجاناً على المستخدمين. والكثير من هؤلاء المطوريين يوزع ايضاً الرموز البرمجية مع منتجاتهم مما يتيح للآخرين تعديل هذه الرموز في ما يتناسب مع حاجاتهم (كتصحيح بعض الاخطاء او اضافة وظائف جديدة الخ ...). واذا اضطر مطور هذا النوع من البرامج الى دفع تكاليف ترخيص، يكون الامر سيئاً بما فيه الكفاية، ولكن اذا اضطر كذلك كل من يدخل اي تعديل على البرنامج الى طلب ترخيص جديد يصير الامر أسوأ بكثير.
والذين يستخدمون نظام لينكس يعرفون انه يتم تحديث هذا النظام بشكل دائم وبوتيرة مذهلة الى درجة انه يصبح من المتعثر عملياً ترخيص كل تحديث فضلاً عن ان تكاليف ترخيص هذه التحديثات قد تصل الى ملايين الدولارات، وهي مبالغ لا يملكها مطورو هذا النظام وتعرف مايكروسوفت ذلك.

خامساً
«الشبكة الآمنة». هذا اكثر مفهوم قد يقنع الناس بفائدة بلاديوم. ولكن هذه الشبكة مطورة بالطريقة التالية: اذا حاولت الاتصال بجهاز خادم للنسيج مزود ببلاديوم ستفشل محاولتك لأن اجهزة بلاديوم لا تتعامل الا مع اجهزة بلاديوم اخرى. وبالتالي اذا انتشرت اجهزة بلاديوم لخدمة النسيج سيتعذر على آلاف المستخدمين الاتصال بشبكة انترنت او حتى العمل ضمن شبكة محلية اذا كانوا لا يملكون انفسهم اجهزة بلاديوم وبالتالي سيضطرون الى «تحديث» اجهزتهم لتصبح اجهزة بلاديوم.
سادساً
يمكن هنا الاعتقاد انه لا توجد مشكلة اذ ان كل ما سبق لن يطال الا الاجهزة المزودة بمعالج x86 (مثل اثلون او بنتيوم اذ ان ايه.ام.دي. وانتل هما الوحيدتان اللتان انضمتا مبدئياً الى مشروع بلاديوم).
وبالتالي يمكن استخدام اجهزة بمعالجات اخرى مثل ماكنتوش باور بي.سي. او سبارك او اي معالج آخر. ولكن اذا انتشرت هندسة بلاديوم بكثرة في مجال اجهزة خدمة النسيج يصبح من المتعذر على كل من يملك معالجات لا تدعم هذه الهندسة من الدخول الى الشبكة. والتالي لن يتمكن صاحب جهاز ماكنتوش مثلاً من استخدام انترنت او التجول في النسيج العالمي، ويتحتم اذً على هذا المستخدم استبدال جهاز ماكنتوش لديه ببلاديوم اذا رغب في استخدام الشبكة.
سابعاً
سيتيح بلاديوم امكان مراقبة المستندات الموجودة في الجهاز المحلي من جهاز بعيد، فعلى سبيل المثال، إذا وجدت مايكروسوفت ان احداً يستخدم اصداراً قديماً من رزمة اوفيس، يمكنها بكل بساطة ارسال اشارة الى جهاز هذا المستخدم ليصبح من المتعذر على هذا الجهاز قراءة الملفات الناتجة عن هذه الرزمة القديمة. وهناك حالة اخطر من ذلك، فإذا قررت مايكروسوفت انه يوجد مستند في جهاز احد المستخدمين لا يناسبها (قد تكون صورة اباحية كما قد تكون وثيقة ضد بلاديوم)، يمكنها ببساطة ازالتها او تعطيلها ليس فقط في الجهاز المعني بل في كل جهاز بلاديوم موجود على الشبكة.
ويذكرنا ذلك بـ«وزارة الحقيقة» في رواية ١٩٨٤ لجورج ارويل حيث تقوم الدولة بتزوير متواصل للمعلومات الماضية والحاضرة لتظهر على افضل وجه في اي وقت.
اذا انتشر بلاديوم بشكل واسع يجب ان نتوقع موت شبكة انترنت كما نعرفها اليوم. وبدلاً من ان يتحكم بها المستخدمون سوف تقع تحت رحمة مايكروسوفت (او اي شركة اخرى يمكنها تطوير تقنيات احادية بهذا الشكل).
لدى الاطلاع على مشروع بلاديوم، تعود بنا الذاكرة الى قصة صغيرة كتبها ريتشارد ستولمان هي «حق القراءة» (www.gnu.org/philosophy/right-to-read.html) صدرت سنة ١٩٩٧ وتحكي عن مجتمع استبدادي يقع على مشارف ١٩٨٤ لجورج ارويل. فقد نجح الشريرون في هذه القصة وصار محتمعهم يشبه كثيراً ما ينتظرنا.
