الصفحة الرئيسية > مجلة أبل في العالم العربي > المجلد الثالث - العدد الرابع والعشرين - أيلول ١٩٩٣ > آدا كونتيسة لافليس: العلاقة بين الشِعر والبرمجة

آدا كونتيسة لافليس: العلاقة بين الشِعر والبرمجة

بقلم جورج قندلفت

حتى اللورد بايرن، الشاعر البريطاني المعروف، لعب دوراً في تاريخ الكمبيوتر. فجميع القرائن تدل إلى أن أول شخص تعاطى البرمجة هو آدا كونتسة لافليس، الإبنة الشرعية الوحيدة للشاعر الكبير.

في أيام الكمبيوتر الأولى، لم يكن هناك فرق واضح بين الأجهزة والبرامج. وكان فعل «يبرمج» يوحي إلى حد كبير بفعل «يلحّم المعادن». وأدى هذا الإلتباس إلى صعوبات كبيرة في تمييز الأجهزة من البرامج في أعمال رواد الكمبيوتر الأوائل.

لذلك، فإن مساهمة آدا كونتيسة لافليس (Ada Countess of Lovelace) في إختراع البرمجة مرتبطة بشكل وثيق بتصميم أول جهاز كمبيوتر.

ويعود تصميم أول جهاز كمبيوتر إلى شارلز باباج (أنظر الحلقة الماضية)، غير أن أخبار ومشاكل هذا الجهاز طغت على قصة آدا في التعاطي معه.

كانت آدا الإبنة الشرعية الوحيدة للشاعر الإنجليزي الكبير، لورد بايرن، ولكن بعد ولادتها بشهرين إفترق والدها عن والدتها وغادر إنجلترا نهائياً. لذلك، لم تعرف آدا والدها أبداً، وكان التأثير الوحيد له على حياتها يأتي من الفضائح التي ميزت تصرفاته خلال حياته.

لم تذهب آدا إلى المدرسة بل تمت تربيتها على يد مدرسين خاصين وأظهرت تعلقاً كبيراً بالمواد العلمية وخاصة الرياضيات. وكانت والدة آدا متخصصة بعلم الرياضيات نوعاً ما إلى درجة كان بايرن يلقبها بأميرة متوازي الأضلاع. ولم يكن الفرق، في تلك الأيام، واضحاً بين الفنون والعلوم كما هو اليوم، وكان من الطبيعي جداً لآدا أن تكون إبنة شاعر وخبيرة رياضيات. غير أن التحفظ الذي كان يبديه المجتمع تجاه النساء المتعلمات كان قوياً للغاية وظهر ذلك من خلال طريقة تعامل زملاء آدا مع نتاجها. والذي ساعد إبنة بايرن على إثبات وجودها وإعطائها الثقة بنفسها هو كونها ثرية ولها إمتيازات بالنسبة لمجتمع تلك الحقبة.

إلتقت آدا بشارلز باباج وكان عمرها لا يتعدى ١٨ سنة. ومهما كانت العاطفة التي جمعت الإثنين، فإن باباج كان يكبر والدة آدا بسنة، ولا شك أن الفرق في السن بين الإثنين أدى إلى علاقة صعبة بينهما.

وحضرت آدا ووالدتها أول عرض لما تم إنجازه من آلة الفرق التي صممها باباج ودلت الإنطباعات التي خرجت بها آدا على قدرتها ليس على التأقلم مع جو العرض وحسب بل على فهم المحتوى الرياضي لما كان يحصل أمامها أيضاً. فقد أوضحت بعد العرض كيف قامت الآلة بحساب القوة الثانية والثالثة للأرقام ثم حساب جذر معادلة رباعية. ولكنها اعترفت أنها في ما يتعلق بمبادئ تشغيل الآلة، لم تفهم إلا القليل.

ويبدو أن هذا العرض لآلة الفرق أثر على آدا خلال حياتها كلها. فلم تفهم مبادئ الآلة وحسب بل أدركت أيضاً إمكانات استخدامها. وقال أحد الذين حضروا العرض أن الحاضرين كانوا ينظرون إلى مكونات الآلة تماماً كالشعوب البدائية التي رأت منظار أو سمعت دوي سلاح ناري للمرة الأولى، غير أن الآنسة بايرن، ورغم صغر سنها، فهمت كيف تعمل الآلة وأدركت أهميتها وجمالها.

والحال أن الآلة، خلال العرض، كانت مكونة من عجلات مسننة براقة ومؤشرات مصممة بدقة لم يعرفها ذلك الزمان. ولم تكن آدا الشخص الوحيد الذي أدرك كيفية عمل آلة باباج، فالليدي بايرن، والدتها، كانت من أوائل الذين كتبوا عن آلة الفرق واصفة حلقات الحساب التي كانت تنفذها.

دفع هذا العرض بآدا إلى التعمق في العلوم الرياضية إلى درجة تمكنت من خلالها بالمساهمة الفعالة في مجال عمل آلة الفرق. فقد طلبت من باباج مساعدتها في العثور على مدرس متعمق ووقع اختيارهما على دي موجان، الأستاذ المحاضر بالرياضيات في جامعة لندن.

وقوانين الأستاذ دي موجان معروفة جداً لدى الذين درسوا المنطق البوولياني [*]. وهكذا، فكان على آدا أن تتحمل العذاب الذي يتحمله طلاب البرمجة في معاهد تعليم الكمبيوتر منذ تلك الأيام.

وتمكنت آدا من إنجاز الكثير وتوصلت إلى مستوى لا بأس به في الرياضيات، وكان من الواضح أنها تملك موهبة كبيرة في هذه العلوم. فقد تمكنت من التعمق في علم الجبر المتطور وعلم الهندسة وخاصة نظرية الفرق المحدود الضرورية لفهم مبادئ آلة الفرق. ومن الواضح أن آدا كانت راغبة في تعلم كل ما له صلة من قريب أو بعيد بالآلة التي كان يعمل باباج على بنائها.

وازداد تعلق آدا بآلة الفرق مع تعمق معرفتها بالعلوم الرياضية. فقد داومت على حضور مجموعة من المحاضرات حول الآلة وتخطى إدراكها كيفية عملها إدراك باباج نفسه. ولا يشكل ذلك أمراً غريباً كما يبدو، فعادة ما يسأل الذي يدرس تنظيم آلة ما، أسئلة حول كيفية عملها أكثر بكثير مما كان قد فكر فيه مصمم هذه الآلة.

وكانت أول مساهمة لآدا في تطوير الآلة، ترجمتها من الفرنسية لدراسة أعدها المهندس الإيطالي لويجي مينابرا، يصف فيها مبادئ آلة التحليل. وتساءل باباج حينها لماذا لم تقم آدا بكتابة دراسة خاصة بها كونها تعرف ما فيه الكفاية لكي لا تحتاج إلى ترجمة دراسة أعدها سواها.

آدا لافليس في صورة داغيرية أخذت سنة ١٨٤٤ وتم تلوينها باليد.

وفي الحقيقة، فأهمية الدراسة التي ترجمتها آدا كانت أقل بكثير من الملاحظات الضخمة التي أضافتها عليها. فقد بلغ حجم هذه الملاحظات ثلاثة أضعاف حجم الدراسة نفسها، وكان من الواضح أن آدا وصلت إلى درجة إدراك أن أهمية البرنامج الذي يجب أن يشغّل الآلة تعادل أهمية الآلة نفسها. فقد قدمت تفاصيل وافية عن كيفية برمجة عمليات حساب أرقام برنويي وأدخلت وصفاً دقيقاً للغاية لما تستطيع الآلة القيام به. وكتبت أن آلة التحليل تنسج المسائل الجبرية كما يحيك نول جاكارد الأزهار والأوراق (ويعتبر الكثيرون أن نول جاكارد شكل أول آلة حاسبة مبرمجة عرفها التاريخ إذ كان يستخدم البطاقات المثقوبة لإدارة الحياكة).

وأدرك باباج قيمة عملها في تفسير إختراعاته لدرجة أصبح يلقبها بساحرة الأرقام، وخاطبها بإحدى رسائله قائلاً «مترجمتي العزيزة وموضع إعجابي».

ولم تكتفي آدا بتفسير كيفية عمل آلة باباج بل لعبت دوراً بارزاً في التوقعات حول حدود الحاسب (أو الكمبيوتر). وينسب إليها أول تطوير للفكرة التي أطلق عليها في ما بعد «إعتراض الليدي لافليس». فقد كتبت ما معناه: «لا يمكن لآلة التحليل أن تخلق أي شيء بنفسها. فيمكنها فقط تنفيذ ما نستطيع أن نأمرها به». ومن الواضح أن ذلك كان أول تحديد لدور البرامج في الأجهزة الحاسبة. ويعني ذلك أن الذكاء الصناعي أمر مستحيل لأن الكمبيوتر لا ينفذ إلا ما نأمره به (من الجدير القول أن هذه النظرية بدأت تتبدل في أيامنا مع أنظمة الذكاء الصناعي التي لا تحتاج إلى البرمجة بل تتعلم وتطور أسسها بالإعتماد على التجارب).

غير أنه من المؤكد أن آدا وباباج كانا يملكان المفتاح للعديد من المسائل التي تتعلق بالذكاء الصناعي من خلال إبتكارهما لنظرية التحول الذاتي. ويظهر ذلك في قولهما أنه من الممكن لآلة التحليل أن تعالج أشياء لا تقتصر على الأرقام.

ومن المحتمل أنهما كانا مدركان لإمكانات الذكاء الميكانيكي، ولكنهما كانا يتخوفان من إقلاق السلطات الدينية كما فعل شارلز داروين من خلال كتابه «في أصل الأنواع» وماري شيلي بروايتها الشهيرة «فرانكنشتاين».

وقد يكون تمرس آدا في الموسيقى لعب دوراً مهماً في فهمها للبرمجة. فقد كانت تجيد لعب القيثار (harp) وبالتالي كانت على علم بمفهوم مجموعة أوامر يجب اتباعها (نوتة القطعة الموسيقية) وتنفيذها، كما أنها كانت تتولى التوزيع الموسيقي بنفسها مما يشكل تمريناً مماثلاً للتمرين النفسي الضروري لكتابة الأوامر البرمجية.

وبالفعل، فقد اقترحت إستخدام آلة التحليل لتأليف الموسيقى، واضعة بذلك الحجر الأول في بناء سيتوسع في ما بعد، أي البرامج التي تنتج تطبيقات.

ودعمت الليدي لافليس باباج، بكل قواها، في صراعه مع السلطات لبناء آلة التحليل، في وقت تخلى عنه معظم من أيدوه في السابق بحجة أنه هو واختراعه يشكلان مضيعة للوقت والمال.

وثابرت آدا على وضع ملاحظاتها العلمية وإدخال تحسيناتها على تصميم الآلة والبحث عن دعم من أصدقائها الأقوياء. وفي هذه المرحلة، وقع حدث ضاعف من المحبة التي يكنها لها الكثير من مبرمجي عصرنا، إذ أنها اخترعت نظام جديد للرهان في سباق الخيل. وتبنى باباج فكرتها، وقد يكون الإثنين إعتقدا أنه يمكن لآلة التحليل أن تتكفل عمليات الجمع في هذا النظام.

ولكن يبدو أن المشروع كان صعب التحقيق. فقد خسرت آدا الكثير من المال ووقعت ضحية أحد المبتزين واضطرت لبيع بعض مجوهرات عائلتها للخروج من المأزق.

وأخيراً لم يخل موت آدا لافليس من الغموض الذي اكتنف بعض وجوه حياتها.

فقد ماتت آدا من مرض السرطان في سن مبكرة، إذ كانت لا تتعدى الستة والثلاثين من عمرها، وذلك بعد قضاء معظم حياتها تشكو من أمراض مختلفة. وقد تكون أنواع العلاج التي خضغت لها سارعت في أجلها، إذ كان معظمها يعتمد على اللودنوم، وهو مستحضر أفيوني، والخمر (قد تكون هاتان المادتان مصدر الثقة الزائدة بالنفس التي كانت تبديها غالباً).
بعد وفاة آدا، تابع باباج محاولاته لإنجاز آلة التحليل، غير أنه لم ينجح في ذلك كما نعرف.

ومن مهازل الحياة أن كتابات آدا وقعت بأدي أشخاص آخرين، وفي سنة ١٨٤٣، قام مهندسان أسوجيان هما جورج شوتز وإبنه إدوارد ببناء آلة فرق كاملة، كانت الأولى في إنتاج وطباعة الجداول الحسابية بالإعتماد على المكننة. وتمكن شوتز من بيع آلته مما يدل على أن جهد آدا في دعم باباج لم يذهب بالإتجاه المرغوب فيه.

وفي النهاية تجدر ملاحظة أن أولاد آدا لافليس، كانوا من محبي الرياضيات كذلك وأن العنصر النسائي أبقى على التقاليد العائلية في حب العلوم.

تكريم آدا لافليس في الولايات المتحدة

يبدو أن التكريم الوحيد لآدا لافليس وعملها جاء من الولايات المتحدة، وبالتحديد من وزارة الدفاع التي أطلقت إسم آدا على لغة البرمجة الضخمة التي تم تطويرها تحت إشراف وزارة الدفاع والقوات المسلحة الأميركية، وخصصت للإستخدامات العسكرية، قبل أن تنتشر وتستخدم في التطبيقات العلمية والصناعية.


بطاقة هوية:

الإسم: آدا أغوستا
الكنية: لافليس
تاريخ الولادة: ١٨١٥
تاريخ الوفاة: ١٨٥٢
البلد: بريطانيا
الإختصاص: البرامج
النظرية: البرمجة
المنتجات: غير موجود
الشركات: غير موجود

صالة العرض


[*] والجبر البوولياني (Boolean) هو فرع من علم المنطق الرمزي (Symbolic logic) يتكون من رموز مماثلة لتلك المستخدمة في علم الجبر ومخصصة لشرح علاقات منطقية تحليلية. وجاء إسمها من واضعها العالم البريطاني جورج بوول.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.