الصفحة الرئيسية > صحيفة الحياة > احلام نابليون انتظرت قرنين من الزمن قبل أن يربط النفق طرفي المانش
احلام نابليون انتظرت قرنين من الزمن قبل أن يربط النفق طرفي المانش
رحلة سريعة من لندن الى باريس
السبت ٢١ كانون الثاني (يناير) ١٩٩٥, بقلم
خلال حربه الطويلة ضد بريطانيا، حاول نابليون الذي اطلق على نفسه صفة امبراطور الفرنسيين، عبثاً شق نفق تحت بحر المانش الذي يفصل بين البلدين ليتمكن من الوصول الى عدوه براً بعد فشل الوصول اليه بحراً. وكان ذلك بعد الحصار الذي فرضه على بريطانيا عام ١٨٠٦. وكان احد اسباب فشله عدم تعاون البريطانيين (طبعاً) معه لشق هذا النفق.
وحتى لو كان هدف النفق سلمياً وليس حربياً، لرفض البريطانيون التعاون كذلك لتعلقهم الشديد بوضعهم الجزيري (نسبة الى الجزيرة) ولاعتقادهم بتفوق هذه الجزيرة عن سائر المعمورة (غداة عزل بريطانيا بسبب الحصار، طلعت الصحف البريطانية بعناوين رئيسية تقول «العالم معزول»).
غير انه في ٢٠ كانون الثاني ١٩٨٦، قرر البريطانيون والفرنسيون التعاون لشق نفق تحت بحر المانش يمكنه نقل الركاب من الجزيرة الى القارة وبالعكس. ففي هذا التاريخ اعلن الرئيس الفرنسي ميتران ورئيسة الوزراء البريطانية ثاتشر عن قبولهما عرض شركة فرانس مانش ومجموعة تشانل تانل اللتين تدعمهما شركتا السكك الحديدية الوطنيتان في كل من فرنسا وبريطانيا، لبناء وسيلة اتصال عبر المانش.
وكانت هناك ثلاثة عروض اخرى تحتوي مشاريع للسكك الحديد الا ان الشركتين المذكورتين اقترحتا حلاً يعتمد كلياً على السكك الحديد ويعرض بناء نفقين (واحد لكل اتجاه) يصل بينهما نفق خدمة.
وفتح هذا المشروع المجال امام اطلاق قطار سريع يعبر القارة الاوروبية بكاملها. وتعود هذه الفكرة الى تشرين الاول ١٩٨٧ حين اعلنت الحكومة الفرنسية عن نيتها بناء خط سريع بين باريس ومدخل النفق. وبدورهما ايدت حكومتا بريطانيا وبلجيكا هذه الفكرة وقررت الدول الثلاث بناء قطار لاوروبا القرن الواحد والعشرين.
وشهد كانون الثاني ١٩٨٨ انشاء تجمع المشاريع الدولية الذي يشمل ممثلين عن شركات السكك الحديد الوطنية الثلاث وهي الفرنسية «اس.ان.سي.اف.» والبريطانية «بريتش ريل» والبلجيكية «اس.ان.سي.بي.» اضافة الى مطوري القطار الذي عرف حينها باسم «قطار عبر المانش» . وفي ١٨ كانون الاول ١٩٨٩ وقعت الشركات الوطنية الثلاث عقداً مع تجمع قطار عبر المانش لشراء ٣١ قطاراً توزع عليها بالشكل التالي: ١٦ قطاراً للشركة الفرنسية و١١ قطاراً للشركة البريطانية و٤ قطارات للشركة البلجيكية. وتتميز هذه القطارات التي اصبح في ما بعد اسمها يوروستار »يوروستار»، بهندسة مشابهة لهندسة القطارات السريعة الفرنسية «تي.جي.في.» مما يجعلها تبلغ سرعة ٣٠٠ كيلومتر في الساعة، غير انها اطول من القطارات السريعة الاخرى لكنها اقل عرضاً لتناسب السكك البريطانية وبلغ سعر القطار الواحد بأسعار سنة ١٩٨٨ حوالي ٢٤ مليون جنيه استرليني.
ولم تكن مهمة بناء هذه القطارات بالسهلة. فقد كان على هذه القطارات ان تناسب ثلاثة انواع مختلفة من السكك الحديدية (في فرنسا وبريطانيا وبلجيكا) اضافة الى النفق الذي عليها عبوره. كما كان عليها ان تدعم ثلاثة انظمة تغذية كهربائية واربعة انظمة اشارات مختلفة. وكان على عرضها ان يتوافق مع شبكات سكك مختلفة وعلى ارتفاعها ان يتوافق مع ارتفاع ارصفة المحطات المختلفة. كان ذلك بعض من المشاكل التي اعترضت مهندسي يوروستار والتي تمكنوا من حلها.
في كانون الثاني ١٩٩٣ وبعد انجاز قطارات يوروستار الاولى، قامت الدول الثلاث باطلاق برنامج اختبارات على نموذجين من هذه القطارات. وفي ٢٠ حزيران ١٩٩٣، انجز احد هذين النموذجين اول عبور للنفق من فرنسا الى بريطانيا بواسطة قاطرة تعمل بمحرك ديزل. وفي ٢٢ شباط ١٩٩٤ تمت اول عملية تحويل التوتر الكهربائي من ٣٠٠٠ فولط متصل وهو توتر انظمة القطارات البلجيكية الى توتر النفق الذي يبلغ ٢٥٠٠٠ فولط متقطع كما نفذت بريطانيا العملية نفسها في شهر آذار من ٧٥٠ فولط متصل الى توتر النفق. وفي ٦ ايار ١٩٩٤ افتتح الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران والملكة البريطانية اليزابيث الثانية رسمياً نفق بحر المانش.
ثلاث محطات ليوروستار
تم تخصيص ثلاث محطات لخدمة قطار يوروستار هي ووترلو في لندن والمحطة الشمالية في باريس والمحطة الجنوبية في بروكسيل.
في ووترلو قام المهندس نيكولاس غريمشو ببناء محطة دولية جديدة مغطاة بسقف من الزجاج يبلغ طوله ٤٠٠ متر. ويتيح هذا السقف اضاءة طبيعية للارصفة الخمسة التي تتكون منها المحطة. ويشعر المسافر الداخل الى المحطة بأجواء تشبه المطارات بتصميمها وافلام الخيال العلمي بسكونها. ومن الاكيد ان الذين يحبون صخب محطات القطار العادية سيشعرون بالضيق من هذا الصمت الذي لا يقطعه الا صوت مجرد ينطلق من المكبرات ليعطي التعليمات للمسافرين. ولكن رغم هذا السكون الذي يعطي شعوراً بلا انسانية المكان، توفر المحطة الجديدة في ووترلو كل اسباب الراحة للمسافرين (رغم عدم وجود اماكن للتدخين) الذين يمكنهم استخدام عربات الامتعة حتى باب القطار بفضل المصاعد الكهربائية المتوافرة بكثرة. وينطلق يوروستار من محطة ووترلو باتجاه محطة باريس الشمالية ومحطة بروكسيل الجنوبية.
ويتميز قطار يوروستار بتوفير الراحة التامة للمسافرين بدءاً بسلاسة سير على السكك والذي لا يشعر به المسافر بتاتاً حتى مقاعده المريحة التي تشبه مقاعد الطائرة ولكنها مدروسة لتأمين مساحة كافية للمسافر (فحتى في الدرجة الثانية لم تصطدم ركبتاي في المعقد الامامي كما يحدث معي في الطائرة) مروراً بخدمات الكافيتيريا والهاتف (يمكن استخدام الهاتف طوال السفرة باستثناء فترة عبور النفق) والتسهيلات لرجال الاعمال في الدرجة الاولى المجهزة بطاولات عمل واضاءة مناسبة.
وتم تخصيص اماكن للعائلات حيث تسمح المقاعد المتحركة بتخصيص مساحات للعب الاولاد تتجانب مع اماكن العناية بالاطفال. ولم ينس يوروستار المعاقين اذ تم تحديد اماكن خاصة بهم بحيث يمكنهم الجلوس على كراسيهم النقالة الى جانب مقاعد مرافقيهم.
اما عبور النفق، فلا يشعر به المسافر ابداً لولا اعلان السائق عن ذلك. وتم تصميم منحدراته بحيث لا يظهر ان القطار ينزل ثم يبدأ بالصعود، وتساهم اضاءة القطار مباشرة في عدم شعور المسافرين بأنهم تحت ٤٥ متراً من الماء. ويستغرق عبور النفق حوالي ٢٠ دقيقة. وبعد حوالى الساعة ونصف الساعة من سرعة تبلغ ٣٠٠ كيلومتر في الساعة يصل القطار الى محطة باريس الشمالية.
وفي هذه المحطة يمكن للذين شعروا بالضيق في محطة ووترلو ان يندمجوا في صخب محطات القطار العادية. وقد تمت عملية تجميل لهذه المحطة التي تعتبر احد المعالم التاريخية الباريسية بحيث اصبحت الاضاءة فيها طبيعية. وعند الوصول الى المحطة الشمالية في وسط باريس يكون السفر من وسط لندن قد استغرق ثلاث ساعات تماماً.
واذا قارنا السفر في القطار بالسفر في الطائرة بين لندن وباريس يكون القطار اسرع بشكل واضح. فللوصول من وسط لندن الى مطار هيثرو يجب حساب حوالي ٤٠ دقيقة (بقطار الانفاق او بالسيارة)، تضاف اليها ساعة انتظار تفرضها شركات الطيران وبين ١٠ و٢٠ دقيقة تنتظر خلالها الطائرة دورها في الاقلاع و٤٥ دقيقة مدة الرحلة وبين ٢٠ و٣٠ دقيقة للخروج من مطار شارل ديغول وحوالي ٤٥ دقيقة للوصول الى وسط باريس. وتستغرق بذلك الرحلة بالطائرة حوالي اربع ساعات يقضي المسافر معظمها على الطريق، بينما يمكنه قضاء ثلاث ساعات فقط في القطار يرتاح فيها او ينجز بعض اعماله.
واذا اخذنا بالحسبان ان القطار يعتبر عادة اكثر رفقاً بالبيئة من الطائرة تكون كل الاسباب متوافرة لاختياره من اجل السفر بين لندن وباريس وبروكسيل.
يبقى ان السلبية الوحيدة في يوروستار هي اسعار التذاكر التي تعادل تذاكر السفر الجوي احياناً وتتخطاهاً غالباً (انظر الاطار) ولكن من المنتظر ان تنخفض هذه الاسعار في وقت لاحق.
من بنى يوروستار؟
نتج عن مؤسسات السكك الحديد الوطنية الثلاث (الفرنسية والبريطانية والبلجيكية) التي عملت على مشروع قطار عبر المانش، اتحاداً يتزعمه التجمع الفرنسي البريطاني العملاق «جي.اي.سي. - الستوم ».
وازدادت قوة هذا الاتحاد عندما سيطر على شركات مترو «ميتكام» البريطانية ومصانع شارلوروا الكهربائية البلجيكية. وانضم الى الاتحاد كذلك الفرنسي «دي ديتريتش» الذي تكفل ببناء هياكل المقطورات وتجميع محركات القطر بينها والبريطاني «براش الكتريكال ماشينز» الذي صمم المحركات اللامتزامنة والبلجيكية «بومبارديه يوروريل» المكلفة بناء المقطورات المتوسطة.
يوروستار بالارقام
– قاطرتان
– ١٨ مقطورة
– ٣٩٤ متر طول
– ٢.٨ متر عرض
– ٨٠٠ طن وزن اجمالي
– ١٢٢٠٠ كيلوواط قوة كهربائية
– ٧٩٤ مقعد (٢١٠ درجة اولى و٥٨٤ درجة ثانية)
– ٣٠٠ كيلومتر في الساعة كسرعة قصوى
سعر يبلغ ٢٤ مليون جنيه استرليني او ٢١٠ ملايين فرنك فرنسي او ١.٢٥ بليون فرنك بلجيكي (اسعار ١٩٨٨)
اسعار «يوروستار» بالجنيه الاسترليني بين لندن وباريس وبين لندن وبروكسيل
درجة اولى:
اتجاه واحد: ٩٧٫٥٠ جنيه (٤٨٫٧٥ للطفل)
اتجاهان: ١٩٥ جنيهاً (٩٧٫٥٠ للطفل)
درجة ثانية:
اتجاه واحد: ٧٧٫٥ جنيه (٣٨٫٧٥ للطفل)
اتجاهان: ١٥٥ جنيهاً (٧٧٫٥ للطفل)
درجة ثانية خاصة (حجز قبل ١٤ يوماً وتذاكر غير قابلة للاستبدال):
اتجاه واحد: ٤٧٫٥ جنيه
اتجاهان: ٩٥ جنيهاً
