الصفحة الرئيسية > آباء الكمبيوتر > وادي السيليكون من الواحة الى الهلكون > الجزء الثاني: الثورة الرقمية لن تحصل

الجزء الثاني: الثورة الرقمية لن تحصل

بقلم جورج قندلفت

١- ستيف جوبز وبيل غيتس: من الثقافة المضادة إلى الاحتكارات المعلوماتية (١٩٧٥ - ٢٠٠٠)

تزامن ظهور الكمبيوترات مع حركات مقاومة وتخريب واحتجاج. وكانت تلك الأجهزة تتميز بوحدات معالجة ضخمة [1] ارتاب منها الجمهور خاصة أنها كانت ترتبط بصناعة الأسلحة والشركات الكبيرة والمؤسسات الحكومية والمنظمات الأخرى التي احتاجت إلى معالجة كميات ضخمة من البيانات. وفي حرم الجامعات الكاليفورنية، قام طلاب بحرق مباني تحتوي هذه الأجهزة الإيوانية ومهاجمتها بالقنابل احتجاجاً على الدور التي تلعبه الجامعات في تطوير تكنولوجيا مرتبطة بالحروب والتحكم بالبشر.

سنة ١٩٧٤، تنبأ الكاتب آرثر تشارلز كلارك [2] أمام كاميرات محطة إيه.بي.سي. بأنه في المدى القريب سوف يتزود كل منزل بجهاز كمبيوتر صغير. ومع التصغير المتواصل للمكونات الإلكترونية وانخفاض أسعارها، كان من المتوقع ولادة الميكرو كمبيوتر. غير أن آي.بي.إم. ورواد الصناعة المعلوماتية لم يتوقعوا أي منفذ لهذا الاستخدام. والحال ان غوردون مور [3] رفض سنة ١٩٦٩ مشروع تصميم ميكرو كمبيوتر اذ ان الاستخدام الشخصي الوحيد الذي كان يتصوره هو تخزين وصفات الطبخ ورغم ذلك قال: «لا أتصور ان زوجتي ستطبخ بمراجعة الكمبيوتر».

كل ذلك يفسر لماذا يعود ظهور الكمبيوتر الشخصي إلى أشخاص كانوا منغمسين في الثقافة المضادة الهيبية التي ميزت ستينات القرن الماضي من القراصنة والمهووسين الذين لم يترددوا في تعاطي المواد المهلوسة. كان هؤلاء مقتنعين الكمبيوتر يمكنه إحداث ثورة على الصعيد التحرري والديمقراطي. ويتلاقى هذا الاقتناع مع استخدام مواد التخدير والهلوسة الذي شكل مادة بحثية في جامعات كالفورنيا تهدف إلى الوصول إلى تحسين الإنسان وتحرره.

سنة ١٩٦٥، انضم عدد من الطلاب والباحثين معهد أبحاث ستانفورد للعمل على الميكرو كمبيوتر. وقامت وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتطورة (وهي مركز أبحاث وزارة الدفاع DARPA) بتمويل هذا المختبر التذي يديره دوغلاس إنغلبارت المتخرج من جامعة بيركلي والمتحمس لنظريات تحسين الإنسان بمساعدة الآلة متأثراً بأبحاث جوزيف ليكلايدر، عالم النفس في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وكتابات فانيفار بوش. وأعد إنغلبارت لوكالة الفضاء تقريراً حول إمكانية ان يشكل الكمبيوتر أداةً شخصية للاستخدام الفردي مما لفت انتباه العديد من المقررين الذين دعموه مالياً. وفي سنة ١٩٦٨، وخلال ما يعرف مذاك بـأم كل العروض عرض إنغلبارت اختراعات فريقه: فأرة وواجهة تخطيطية تتيح بتشغيل أول محادثة فيديو وإرسال أول بريد إلكتروني وتنفيذ تحرير نصوص وكل ذلك مباشرة على الشاشة. على أثر هذا العرض قامت شركة زيروكس بجذب بعض أعضاء فريق التطوير وأنشأت زيروكس بارك (Xerox PARC) في بالو آلتو داخل حرم جامعة ستانفورد. وكانت إحدى مهمات مركز الأبحاث هذا تطوير كمبيوتر شخصي وكانت النتيجة جهاز ألتو الذي ظهر سنة ١٩٧٣. وكان أول كمبيوتر شخصي وتزود بفأرة ولوحة مفاتيح وواجهة تخطيطية تتيح وظيفة تحرير النصوص. لكن كلفته كانت مرتفعة جداً فقررت زيروكس عدم تسويقه.

وفي السنة نفسها تم تسويق أحد أوائل الكومبيوترات الشخصية المزودة بمعالج صغير (microprocessor) هو جهاز ميكرال الذي طوره مهندسان فرنسيان ولكنه لم يصنّع على نطاق واسع لشحة الرساميل المتوافرة. بعد عدة أشهر قامت شركة ميتس (MITS) التي أخذت من مدينة ألبوكيركي مركزاً لها والمتخصصة في المكونات الإلكترونية بإطلاق أول كمبيوتر شخصي على شكل قطع للتركيب وبسهر في متناول الناس وهو جهاز ألتير ٨٨٠٠ (Altair 8800) المزود بمعالج إنتل ٨٨٠٠. وظهر إطلاقه على غلاف مجلة بوبولار إلكترونيكس (Popular Electronics) في عدد كانون الثاني ١٩٧٥. وكان يباع دون أي برامج ولم يكن يفعل أي شيء مفيد ولكنه سجل نجاحاً منقطع النظير بين القراصنة والمهووسين بالإلكترونيات.


جهاز ألتير ٨٨٠٠ على غلاف مجلة بوبولار إلكترونيكس

عُرض هذا الجهاز في نادي هومبرو كمبيوتر [4] وبين الحاضرين كان هناك رجل يدعى ستيف وزنياك. وكان هذا النادي يعتمد على التعاون والمشاركة ويضم حوالي مائة عضو يتوزعون بين طلاب في الجامعة ومهندسين شباب وناشطين في مجال المعلوماتية. وكان وزنياك يعمل في هيولت-باكارد وبعد الدوام كان يقضي سهراته في مختبرات الشركة للعمل على مشروعه الخاص وهو تصميم ميكرو كمبيوتر. وانتهى من تصميمه سنة ١٩٧٦وعرضه على نادي هومبرو تحت مسمى أبل ١وتميز بأنه احتوى على شاشة تعرض التعليمات مباشرة وتقدم بذلك على ألتير. وكان وزنياك ينوي توزيع مخطط الجهاز على أعضاء نادي هومبرو لكن صديقه ستيف جوبز أقنعه بتسويقه. إلا ان وزنياك حاول في البدء عرض جهازه على مشغليه في هيولت-باكارد لكنهم رفضوا تسويقه كونه يخضع إلى فلسفة القراصنة مما لا يتوافق مع منتجات الشركة. أمام هذا الواقع قرر الصديقان إطلاق شركة أبل كمبيوتر للبدء بتصنيع مائة نسخة من الجهاز في مرأب في بالو آلتو. وبينما جهد ستيف جوبز لتسويق مفهوم الجهاز لدى عدد من المستثمرين كالن ستيف وزنياك قد باشر بتصميم نسخة محسنة هي أبل ٢.

في تصميم أبل ١، استخدم وزنياك أفضل المكونات التي كان يمكنه شراءها وطور هو نفسه البرنامج إلا ان أبل ٢ ف٦كان يتطلب مكونات أقوى وبرامج أكثر وما أتاح تسويقه هو التمويل من مايك ماركيولا وشبكة علاقاته في فيرتشايلد وإنتل.

رغم ان جهازاً منافساً (كومودور) كان يحقق مبيعات أفضل في السنوات الأولى إلا ان ضربة حظ رفعت جهاز أبل إلى القمة. فقد قامت شركة بتطوير برنامج محاسبة مخصص لأبل ٢ حصرياً هو فيزيكالك (يعتبر أول برنامج جداول إلكترونية في تاريخ المعلوماتية). جعل جدّ برنامج إكسل من جهاز أبل ٢ الدجاجة التي تبيض ذهباً لمدة طويلة مما أتاح للشركة ان تبقى حية رغم الفشل الاقتصادي الذي تسبب به طيش ستيف جوبز من خلال جهازي ليزا وماكنتوش الأول.


ستيف جوبز يعرض أول جهاز ماكنتوش أمام المساهمين في شركة أبل

في أواخر سبعينات القرن الماضي كانت أبل تسيطر على ٤٠ ٪ من سوق الكمبيوترات الشخصية مما دفع بشركة زيروكس إلى الاستثمار في أبل واستقبال جوبز ووزنياك في مختبرها حيث شاهدا عرضاً لجهاز ألتو الذي أدهشهما بواجهته التخطيطية. فقام جوبز بتوظيف عدد من العاملين في فريق المختبر وبدأ بتطوير جهاز ليزا. ولكن طريقة إدارته المتوترة دفعت بمجلس إدارة الشركة إلى إبعاده عن المشروع. فلجأ إلى مشروع تطوير ماكنتوش وهو نسخة مبسطة من ليزا وموجهة للجمهور العريض. إلا ان هواجسه وهوسه بالكمالية دفعت بجوبز إلى تأخير تطوير المشروع وفرض خيارات تصميمية كارثية: معالج بطيء وغياب التهوية مما يضاعف من حرارته مما دفع بفريق التطوير إلى الاستقالة بعيد تسويقه.

وبدعم من حملة تسويقية ضخمة، انطلق ماكنتوش سنة ١٩٨٤ وكان أول كمبيوتر شخصي جماهيري مزوداً بفأرة والواجهة تخطيطية التي أصبحنا معتادين عليها ولم يعد من الضروري إدخال أوامر برمجية لتنفذ المهمات. ولكن في تلك الفترة أطلقت آي.بي.إم كمبيوترها الشخصي بمفهوم مختلف جذرياً عن مفهوم ماكنتوش. فبدلاً من بناء الجهاز بنفسها، قامت آي.بي.إم. بتجميعه من أفضل المكونات المتوافرة حينذاك وسلمت تطوير البرمجيات إلى أطراف ثالثة.

وبالاعتماد على ضخامة الشركة الزرقاء الصناعية والتجارية، سوقت الكمبيوتر الشخصي بأسعار منخفضة وأعطته المصداقية الكافية لولوجه عالم الشركات وكوادرها. فكسح الـ«بي.سي.» السوق رغم افتقاده للابتكارات التي ميّزت ماكنتوش. ومن الطريف ان آي.بي.إم. لم تحقق الأرباح المرتقبة من هذا النجاح ويعود ذلك إلى عدم احتكارها هندسة الكمبيوتر الشخصي مما أتاح المجال أمام شركات مثل كومباك وهيولت-باكارد وصن ومن ثم ديل من طرح «مستنسخات» (clones) من جهاز آي.بي.إم. بنسخ عملية التجميع التي دفعت مقاولين فرعيين إلى الشهرة هما إنتل للمعالجات ومايكروسوفت للبرمجيات.

في عودة بسيطة إلى الوراء وبينما كان ستيف وزنياك يندهش بما قد يقدمه كمبيوتر ألتير ٨٨٠٠ ذهب بيل غيتس وبول ألن إلى مدينة ألبوكيركي لعرض نظام تشغيل لهذا الجهاز يعتمد على لغة بايسيك للبرمجة طورها إثنان من الجامعيين. هذه الصفقة أتاحت لهما تأسيس شركة مايكروسوفت لتسويق نظامهما ولكن المبيعات لم تسجل النجاح المنتظر. فقام بيل غيتس بكتابة رسالة إلى نادي هومبرو (تظهر أهميتها لاحقاً) يشتكي من ان العدي من الأشخاص يستخدم برمجيات مايكروسوفت دون دفع إتاوات. فهوس بيل غيتس هو الثروة وليس التطور التكنولوجي أو الشغف بالمعلوماتية، لذلك كان يجب زن يبيع رخص لاستخدام منتجه ولكن فلسفة أعضاء النادي والمهووسين بالتكنولوجيا لم يكن يسمح بنموذج يعتمد على الملكية التجارية.


بيل غيتس وبول ألن أمام جهاز طرفي في مدرسة ليكسايد الخاصة سنة ١٩٧٠

لكن ضربة حظ وقحة سوف تتيح لمايكروسوفت التغلب على البرامج الحرة تدريجياً. فكانت والدة بيل غيتس عضو في مجلس إدارة آي.بي.إم. وساعدته في الحصول على أضخم عقد في تاريخ الكمبيوتر: فقد سلمت الشركة العالمية تطوير نظام تشغيل أول كمبيوتر شخصي إلى مايكروسوفت.

لتنفيذ العقد. قام غيتس بشراء نظام كيو. دوس (QDOS) كان قد طوره مهندس من مدينة سياتل ويعني اسمه «نظام التشغيل السريع والقذر» (Quick and Dirty Operating System). بعد تغيير اسمه إلى إم.إس. دوس (MSDOS مع تحويل حرف دي من قذر - Dirty - إلى قرص - Disk لتفادي الفضائح)، تم تثبيته في كل الكمبيوترات الشخصية. واستخدمت مايكروسوفت هذا الوضع الاحتكاري للتخلص من المنافسة بأساليب تتعامل مع الشرعية بذمة واسعة. فمن حرب أسعار إلى لطش أفكار مروراً بتثبيت فرضي لبرامج مع نظام التشغيل ستتنوع ممارسات مايكروسوفت لتصل إلى إدخال أخطاء مقصودة في النظام لمنعه من تشغيل سليم لبرامج معالجة نصوص وجداول إلكترونية طورتها المنافسة. وقد تكون المعركة الأكثر شهرة هي التي قامت بين بيل غيتس وستيف جوبز الذي كلف مايكروسوفت بتطوير عدد من البرامج لماكنتوش ليكتشف ان هذه الأخيرة أطلقت ويندوز وهو نظام تشغيل يوفر واجهة تخطيطية قلدت ماكنتوش وألتو (هنا مقارنة بين النظامين تعود إلى سنة ١٩٩٣).


جهاز زيروكس ألتو

بالنسبة للجمهور، تميزت الثمانينات والتسعينات بالمعركة بين مايكروسوفت وأبل حيث شبه قسم التسويق فيها هذه المعركة بتلك التي دارت بين داود وجالوت. وكان ستيف جوبز يظهر بصورة النابغة الرؤيوي والفنان والثائر بينما ظهر بيل غيتس على شكل وريث روكفيلير والمحتكر الجشع الذي يسوق منتجات رديئة محشوة بالأخطاء.

في الحقيقة يتشارك الرجلان الكثير من الطبائع. فاشتهر الاثنان بالطبع البغيض وفورات الغضب المزمنة وفقدان التعاطف تجاه زملاءهما حتى درجة الاعتلال الاجتماعي. والاثنان حاولا الوصول بشركتيهما إلى وضع احتكاري [5]. ويتشابه الاثنان خاصة بوجودهما في المكان المناسب في الوقت المناسب. فجوبز ووزنياك ترعرعا في بالو ألتو خلال الثورة المعلوماتية. وبفضل عمله في مختبرات هيولت-باكارد استغل وزنياك أفضل الأدوات لتنفيذ مشروع بناء جهاز كمبيوتر. إضافة إلى ذلك شكل نادي هومبرو في ستانفورد بيئة لقاءات وتبادل خبرات لا غنى عنها لتطوير مشروع أبل.

من جهته، درس غيتس في إحدى الدارس الخاصة الأولى التي كانت مجهزة بجهاز كمبيوتر أتاح له تعلم قواعد البرمجة قبل قبواه في جامعة هارفارد والاستفادة من شبكة علاقات أهله لتوقيع العقد مع آي.بي.إم.

أخيراً أتاح جوبز وغيتس لوادي السيليكون التحول من النظام الكينيزي [6] الممول من قبل الحكومة والنفقات العسكرية إلى عصر النيوليبرالية والاستهلاك الرقمي الجماهيري. والسبب الذي دفع زيروكس إلى فتح أبوابها لأبل هو رغبتها في ان تقوم الشركة الناشئة بتسويق جهاز ألتو لأنها لم تكن تملك البنية التنظيمية للقيام بالتسويق بنفسها. ومثلما لعب غيتس دوراً محورياً في سحق البرامج الحرة قادت وسائل إنتاج أبل إلى العديد من الابتكارات. فكانت أجهزة ماكنتوش تجمّع في كالفورنيا بواسطة شبكات مصانع توظف اليد العاملة المغتربة السرية، الآسيوية بمعظمها، تتقاضى أجوراً بخسة ويمنع عليها الانضمام إلى النقابات. سنة ١٩٨٤، استقبل جوبز دانيل ميتران زوجة رئيس جمهورية فرنسا في ذلك الوقت، في أحدث مصنع لتجميع ماكنتوش. وما لبث ان اغتاظ من اهتمام الفرنسية الأولى بظروف عمل العمال بينما هو يحاول تسويق مزايا الأتمتة وخفض تكاليف اليد العاملة.

وتفوق رئيس أبل على غيتس، بالاستغلال المتوحش للمهندسين بإجبارهم على العمل ٨٠ ساعة في الأسبوع وإلغاء عطل نهاية الأسبوع وباستخدام حوافز مثل الاكتتاب بأسهم الشركة وتسويق فكرة أنهم يساهمون في «تغيير العالم». ولكن كل هذه «الميزات» التي تمتع بها جوبز لم تدفع أبل إلى القمة اذ لم تكن تتعدى حصتها من سوق الكمبيوتر ٨ ٪ حين أطلقت جهاز آي. بود إلى أتاح لها احتلال موقع الريادة.

ستيف جوبز وبيل غيتس

لم يأتي مفهوم آلة التسجيل المتنقلة التي تدعم تنسيق ملفات إم.بي. ٣ (mp3 walkman - كان هناك آلات تسجيل متنقلة تشغّلا الأشرطة) من ستيف جوبز. ففي سنة ١٩٧٩ قام المخترع البريطاني كن كرامر بتصميم نموذج يشبه كثيراً جهاز آي. بود وتسجيل براءة اختراعه لكن في تلك الفترة كانت أسعار مكونات الجهاز مرتفعة جداً وأداؤها منخفض وانتهت صلاحية البراءة سنة ١٩٨٨. فكما هي حال جهاز ألتو كان من السابق لأوانه تسويق هذه الفكرة. سنة ٢٠٠٠ اشترت أبل تصميم آلة التسجيل المتنقلة من المهندس الأميركي طوني فادن الذي انضم إلى الشركة لتصميم جهاز أي. بود. وأدى نجاح هذا الجهاز إلى إطلاق أجهزة أخرى (آي. باد ثم آي. فون) أتاحت لأبل احتلال مركز احتكاري. ولكن هذا النجاح كان يتطلب إنتاج هذه الأجهزة بكميات كبيرة وبأسعار معقولة، فقام ستيف جوبز بتوظيف تيم كوك الذي مر بآي.بي.إم. وإنتل (أصبح لاحقاً رئيس أبل التنفيذي) ليتولى مسؤولية الإنتاج. فباشر كوك بإغلاق مصانع مخازن في الولايات المتحدة ونقل الإنتاج إلى الصين وتعميم التعامل مع مقاولين فرعيين بمساعدة الشركة التايوانية المتخصصة بالإلكترونيات فوكسكون. وأدت ظروف العمل الشاقة إلى انتحار العديد من الموظفين مما دفع الشركة المقاولة إلى تركيب شبكة أمان لمنع الموظفين من رمي أنفسهم من النوافذ. وكانت تغطية هذه الحالة في الصحافة خجولة ولم تدفع الزبائن إلى التحول عن منتجات أبل.

مع ان ظهور المعلوماتية الشخصية كان محتماً إلا ان وادي السيليكون لعب دور المحرك بفرض نموذج محدد من بين نماذج أخرى كانت محتملة. وتميز هذا النموذج بالثورة المضادة النيوليبرالية بالتركيز على تقديس الملكية الفكرية ونقل التصنيع إلى بلدان يد عاملتها رخيصة واستغلال متوحش للمهندسين. وتضخمت هذه الاتجاهات مع ظهور شبكة إنترنت والاستيلاء على بيانات الناس الشخصية. فباتساع استخدام الكمبيوتر كان من المحتم ان مصالح الشركات الكبيرة تكمن في اتصال هذه الأجهزة ببعضها.

٢- من أربانت إلى شبكة العنكبوت العالمية: نحو خصخصة المشاع

يشكل ظهور إنترنت مثالاً كيميائياً صافياً لآلية اقتصادية اجتماعية تنتج الثورات التكنولوجية التي أطلقت سيط وادي السيليكون. ففي أواخر الخمسينات من القرن الماضي، طورت عدة مجموعات من الباحثين نظام اتصال عبر خطوط الهاتف بتحويل الإشارات الرقمية إلى ذبذبات صوتية وبالعكس باستخدام جهاز تعديل وكشف (modulator - demodulator) وهو جهاز المودم المعروف (على الأقل من الأجيال التي عايشته). أما ثاني الابتكارات المهمة فكان تصميم وسيلة إرسال للبيانات على شكل حزم قياسية متفرقة على عكس النظام المستخدم في الهاتف. وتتيح هذه الوسيلة استقرار الشبكة ووصل عدة أجهزة طرفية بين بعضها. سنة ١٩٦٥، قام فريقان من الباحثين بتطوير هذه الاختراع كل من ناحيته: دونالد ديفيس من المختبر الوطني للفيزياء (NPL) البريطاني من جهة، وبول باران من مؤسسة راند (RAND - وهي من أكبر المؤسسات الاستشارية التي يستخدمها الجيش الأميركي) بمساعدة من ليونارد كلينروك من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا. فظهرت من جراء ذلك عدة شبكات منها شبكة أربانت التي وصلت جامعتي ستانفورد ولوس انجليس ببعضها منذ سنة ١٩٦٨ ثم وصلت بين ٢٣ مركزاً في ١٩٧١.


خريطة منطقية لشبكة أربانت في ١٩٧٧ تعرض اتصال الجامعات ببعضعها

تم تطوير هذه الشبكة من خلال وكالة مشاريع أبحاث الدفاع المتقدمة التي تم تأسيسها بعد الهلع الذي اعترى الإدارة الأميركية بسبب «لحظة سبوتنيك» (حين أطلق الاتحاد السوفياتي أول مركبة فضاء في مدار حول الأرض) التي كشفت لها مدى تأخرها التكنولوجي مقارنة بالاتحاد السوفياتي. فقامت الوكالة بتركيب كمبيوترات إيوانية في عدة جامعات أميركية وكان ربط هذه الأجهزة ببعضها لتقاسم مهمات المعالجة (ما يسمى بفترات الحوسبة) بين مراكز الأبحاث السبب الرئيسي في ظهور شبكة أربانت [7].

وسريعاً ما تمددت هذه الشبكة إلى أوروبا واتصلت بعدة نقاط تقاطع تقع إحداها في بريطانيا في المختبر الوطني للفيزياء وأخرى في النروج وثالثة في فرنسا حيث ساهم فريق من باحثيها مع فريق أربانت في جامعة لوس انجليس لتطوير بروتوكول تبادل البيانات عبر الشبكة. ونتج من هذا التعاون بروتوكول التحكم بالإرسال وبرتوكول إنترنت (Transmission Control Protocol / Internet Protocol - TCP/IP) الذي يتيح لكل كمبيوتر متصل بالشبكة التبادل بلغة موحدة تفهمها كل الأجهزة المتصلة. والجزء المسمى تحكم بالإرسال يجنب ضياع البيانات المرسلة أو تكرارها وذلك بإعطاء عناوين فريدة للأجهزة المتصلة (والمعروفة بعناوين ip). ولتشغيل هذا النظام تم تصميم أجهزة جديد تلعب دور المقسمات (routers) وبينها وبين البروتوكول الجديد الذي تم تبنيه سنة ١٩٨٣ من قبل أربانت ولدت الشبكة العالمية (International Network أو Internet).

ومنذ ١٩٨١، قامت المؤسسة الوطنية للعلوم (NSF), وهي مؤسسة حكومية أميركية بتأسيس شبكة علم المعلوماتية (Computer Science Network - CSNET). وتتيح هذه الشبكة للجامعات والمؤسسات الحكومية الاتصال بشبكة أربانت. وفي سنة ١٩٨٥ تغير اسم هذه الشبكة ليصبح شبكة المؤسسة الوطنية للعلوم (NSFNET) وأضحت العمود الفقري لشبكة إنترنت. وتم بناء هذه الشبكة بواسطة استثمارات هائلة في ملايين الكيلومترات من الأسلاك والبنى التحتية الإلكترونية الأخرى.

وشكل التمويل الحكومي المصدر الأساسي لإطلاق الابتكارات، ففي سنة ١٩٨٣، طورت إليزابيث فينلر مع فريقها في معهد ستانفورد للأبحاث (RSI) دليلاً يتيح ترجمة عناوين ip العائدة للأجهزة المتصلة بشبكة أربانت إلى أسماء نطاقات (domain names) سهلة الحفظ وتم تبويب هذه النطاقات في فئات اعتماداً على نوع استخدامها (top level domains .com .net .org الخ). فبدلاً من ان نحفظ عنوان 173.194.202.102 ما علينا إلا ان نحفظ اسم google.com. وجاء باحث من جامعة جنوب كاليفورنيا لإتمام هذا الابتكار بنظام لامركزي لتوزيع أسماء النطاقات وهو نظام تسمية النطاقات (Domain Naming System أو DNS) الذي لا يزال يستخدم حتى اليوم ويعتبر من ركائز الوصول إلى المعلومات المنتشرة على الشبكة.

بالرغم من هذه التطورات لم تقم الحكومة الأميركية بتوحيد بروتوكول تي.سي.بي.\آي.بي. بما فيه الكفاية. فمنذ الثمانينات ظهرت شبكات وبروتوكولات أخرى من ستانفورد ومختبرات زيروكس مما سمح لشركات كالفورنية ناشئة الرسملة والاستثمار في هذه الغابة لتطوير أجهزة طرفية تتيح وصل بروتوكولات مختلفة ببعضها. ونذكر من هذه الشركات ٣ كوم (3Com) وسيسكو (Cisco Systems) وصن (Sun Microsystems) لتطوير الأجهزة. أما في ما يتعلق بالبرمجيات فقد ظهر عدة لاعبين جدد. فقامت وكالة المختبرات الأميركية بتفويض الشاب لاري إليسون [8] واثنين من زملائه في شركة أمبكس لبناء قاعدة بيانات يمكنها دمج أنظمة مختلفة. فاتحد الثلاثة وأنشؤوا شركة أوراكل (Oracle Systems) باستخدام اسم الذي مشروع أوراكل الذي كلفتهم فيه الوكالة. وأخذت الشركة بالنمو بفضل العقود الموقعة مع وكالة الاستخبارات التي جندت مهندسيها لتصحيح الأخطاء التي اعترت التطويرات الأولى. والحال ان احد أعضاء الوكالة اعترف انهم لم اشتروا هذا المشروع مع العلم انه لن يعمل، ما اشتروه هو الفكرة. بعد عدة سنوات تمكنت أوراكل من إتمام منتج يمكنه العمل وبمساعدة الممول دون فالانتاين دخلت الشركة إلى البورصة من الباب العريض وبصخب إعلامي كبير.

ولكن آخر ثورة تكنولوجية دفعت شبكة إنترنت إلى ما هي عليه الآن أتت من المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN) في سويسرا. فكانت عملية البحث عن المستندات وتبادلها دون معرفة مكانها بدقة عملية شاقة على الشبكة (عنوان ip، اسم الملف، اسم النطاق ...). فقام الفيزيائي البريطاني تيم برنرز لي العامل في المنظمة بوضع نظام يتيح عرض البيانات في صفحات وإمكان تحميلها بواسطة روابط هايبرتكست. ويرتكز هذا النظام على ثلاثة ابتكارات: إنشاء عناوين على النسيج اسمها محدد موقع الموارد الموحد (URL) وبروتوكول تبادل للبيانات (HTTP) ولغة برمجة لعرض هذه البيانات (HTML). وأخذ هذا النظام الثلاثي اسم شبكة العنكبوت العالمية (Worl Wide Web - www) وأمكن الوصول إليه باستخدام برنامج اسمه المتصفح (browser). وبدأ العمل به سنة ١٩٩١ ووضع في المشاع سنة ١٩٩٣ أي أصبح جزءاً من الأنظمة الحرة. بالموازاة، قامت المؤسسة الوطنية للعلوم بخصخصة شبكتها من جراء تعاظم الطلب من القطاع العام لدرجة انه بحلول ١٩٩٣، صارت شبكة إنترنت متاحة للجمهور العريض والشركات الخاصة. وهكذا فإن نظاماً تم تطويره بالمال العام والأبحاث الحكومية أطلق حمى ذهب جديدة.

٣- نتسكيب والنموذج الجديد لفقاعة دوت كوم

سنة ١٩٩٣، قام فريق من الطلاب الباحثون من جامعة إللينويس يشرف عليهم مارك أندريسون بتطوير متصفح جديد أطلقوا عليه اسم موزاييك (Mosaic). واعتمد هذا المتصفح على أعمال تيم برنرز لي وتمكن من عرض النصوص والصور ومشاهد الفيديو في نافذة واحدة من خلال واجهة مفتوحة على الجميع. وتم توزيع المتصفح مجاناً بموجب رخصة من الجامعة واعتماده سريعاً في الأوساط الأكاديمية والبحثية. بعد نيله شهادة الهندسة تعرف مارك أندريسون على جيم كلارك وهو رجل أعمال من وادي السيليكون وأستاذ معلوماتية في جامعة ستانفورد. وبفضل شبكة علاقاته تمكن كلارك من إنشاء شركة جديدة أعطاها اسم موزاييك لتطوير متصفح جديد. وبعد الشكاوى التي تقدمت بها جامعة إللينويس غير اسم الشركة لتصبح «نتسكيب». ووضعت الشركة بسرعة متصفها مجاناً بمتناول الجهور العريض حيث سجل نجاحاً منقطع النظير من جراء توزيعه في الأقراص المرنة وتناقل أخباره بين المستخدمين. لكن عوائد الشركة لم تكن تكفي لمتابعة تطويره، فمع أنها دعت الجمهور إلى تقديم هبات والشركات إلى شراء رخص استخدام لم يتهافت المستخدمون لتلبية الدعوة.

٨- متصفح موزاييك )

النسخة الداعمة للعربية أراموزاييك لنظام لينكس تطوير مجموعة من جمهور هذا النظام العرب

إلا ان نجاح متصفحها سمح لشركة نتسكيب بدخول البورصة سنة ١٩٩٦ حيث تناتش المستثمرون أسهمها بأسعار خيالية مما أتاح لجيم كلارك الحصول على ١٠٠ مليون دولار. فظهر بذلك نموذج جديد في وادي السيليكون: للحصول على الثروة ليس من الضرورة ان تحقق الشركة أية أرباح اذ يكفي إظهار الزيادة المطردة لعدد الزبائن حتى لو أنهم يستهلكون المنتج مجاناً.

وكعادتها عندما ترى شركة مايكروسوفت منتجاً ناجحاً تنقضّ عليه. فقامت شركة بيل غيتس بنسخ متصفح نتسكيب تحت اسم «إنترنت إكسبلورر» وثبتته قياسياً في أجهزة الكمبيوتر التي تشغّل نظام ويندوز. أدت هذه المنافسة غير العادلة إلى تهشيم سمعة بيل غيتس خاصة من جراء الدعوى التي أقامتها السلطات الفيديرالية ضد مايكروسوفت لانتهاك قوانين مكافحة الاحتكار. ولكن ذلك لم ينقذ نتسكيب التي اشترتها شركة أميركا أون لاين بأربع مليارات دولار سنة ١٩٩٩.

أما مارك أندريسون، فسيغتم ثروته وشهرته ليصبح مستثمراً في الشركات الناشئة. وفي سنة ٢٠٠٩ شارك بن هوروويتس ليؤسسا شركة أندريسون و هوروويتس التي أصبحت من أهم شركات الاستثمار في الرأسمال المغامر في وادي السيليكون والتي لعبت دوراً مهماً في حشد كبار التكنولوجيا لدعم ترشيح دونالد ترامب سنة ١٩٢٤.

بغض النظر عن تاريخ أندريسون الشخصي، دشّن نجاح نتسكيب نموذج إثراء جديد. ومع انتشار شبكة إنترنت حاول العديد من الشركات الرسملة على ظهر الفقاعة المالية التي واكبت النمو المدهش للشبكة. فكان يكفي تأسيس شركة ينتهي اسمها بدوت كوم (com.) لجذب الاستثمارات. وتستخدم الملايين الأولى المستحصلة لتصميم ما يشبه موقع على النسيج يتيح نمو زائريه دفع الشركة الجديدة إلى الدخول في البورصة. ففي أواخر التسعينات، أدى انهيار الاتحاد السوفياتي والموجة النيوليبرالية التي رفعت القيود الحكومية إلى تحرير كميات كبيرة من الرساميل الأميركية والأوروبية والآسيوية وبالأخص من الأوليغارشية الجديدة القادمة مما كان يعرف بالكتلة الشرقية. وشكل وادي السيليكون بفضل نسب نموه الخيالية الوعاء المثالي لهذه الكتلة النقدية.

أدى انفجار فقاعة إنترنت إلى تجميع القطاع حول الشركات التي كان لديها نشاط حقيقي وصلب. فخرجت مواقع تجارة على النسيج مثل إي. باي وأمازون ومحركات بحث مثل ياهو من الأزمة بتثبيت أقدامها. إلا ان أحداً لم يتعلم الدروس. فخلال تلك الفورة، أصبح العديد من الأشخاص العديمي المواهب أثرياء من خلال الدخول إلى البورصة منهم إيلون ماسك وبيتر ثيل ومارك كوبان ومؤسسا شركة أوبر ترافيس كالانيك وغاريت كامب. ولم تكن إسهاماتهم تتميز بتأسيس شركات صلبة أو منتجات مدهشة فالشركات الناشئة الأولى التي أسسوها أفلست سريعاً واختفت بشكل أسرع، ولكن تميزت بإثراء استثماراتهم. وبالاعتماد على هذه المصداقية واقتناعاً منهم بذكائهم وموهبتم، سيمثلون الجيل الجديد من رجال الأعمال التي يفرخها وادي السيليكون. ولتوضيح مساراتهم يجب الرجوع إلى المرحلة بين ٢٠٠٠ و٢٠١٥.


[1] الأجهزة الإيوانية أو main frame

[2] من أشهر كتبه ٢٠٠١ ملحمة الفضاء

[3] مؤسس إنتل والذي أعطى اسمه لقانون مور

[4] جمعية من مهووسي الكمبيوتر كانت تجتمع شهرياً في إحدى قاعات المحاضرات في ستانفورد - Homebrew Computer Club

[5] سيمكن جوبز من الوصول إلى هذا الوضع خلال سنوات الـ٢٠٠٠ و٢٠١٠ بفضل آي. بود وآي. باد وآي. فون

[6] نسبة إلى جون مينارد كينز

[7] وليس لبناء شبكة لا مركزية تكون منيعة أمام هجوم ذري كما هو مشاع

[8] وهو حالياً ثاني أكبر ثروة في العالم وأكبر داعم لجيش المستعمرة الصهيونية في فلسطن

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.