الصفحة الرئيسية > صحيفة الحياة > شبكة انترنت: بدايتها ومستقبلها

انترنت (١\٨):

شبكة انترنت: بدايتها ومستقبلها

السبت ١٠ آب (أغسطس) ١٩٩٦, بقلم جورج قندلفت

بدأت شبكة انترنت تنتشر بشكل جدي في المنطقة العربية. والادلة على ذلك كثيرة. فقد بدأ العديد من موفري الوصول الى الشبكة بتقديم خدماته في عدد لا بأس به من البلدان العربية ولا يمر شهر الا ونقرأ اخباراً عن انشاء بنى تحتية جديدة لتوفير خدمات انترنت في المنطقة.

وربما اكبر برهان على انتشار انترنت بالنسبة لي هو تزايد عدد الاصدقاء والمعارف الذين صرت اراسلهم بالبريد الالكتروني بدلاً من الاتصال بهم في الهاتف ودفع الفواتير الباهظة.

واما هذا الواقع وجدت «الحياة» من المفيد نشر سلسلة مواضيع عن الشبكة تلعب دور الدليل المبسط للذين يريدون الوصول اليها والاستفادة من خدماتها. وكما في كل دليل، نبدأ من البداية ونعرض كل ما يمكن ان يحتاجه المستخدم (او المستخدم المستقبلي) من اجهزة وبرامج وحلول توفر له التعامل مع انترنت بأبسط ما يمكن وتتيح له فهم ما تتكلم عنه مطبوعات الكومبيوتر التي يعتقد معظمها انه يلقي محاضرات لأخصائيين الكترونيين.

تحديد انترنت

الامر الطريف في الادلة التي تفسر كيف تعمل انترنت هو انها تبدأ دائماً بعظة عن تاريخ شبكة الشبكات هذه وبداياتها. ولسوء حظ الذين لا يحبون التاريخ، سوف نبدأ دليلنا كالمعتاد بلمحة تاريخية عن جذور انترنت لا للتباهي بمعلوماتنا بل للمساعدة على تفسير تساؤلات مثل: لماذا تستغرق احياناً رسالة بالبريد الالكتروني عدة ايام لتصل الى هدفها ولماذا فجأة يختفي موقع على نسيج العنكبوت كنا نزوره بانتظام في الاسابيع الماضية. فإذا تتبعنا تطور انترنت يمكننا معرفة ما الذي يسيّرها وبالتالي توفير الكثير من العذاب لدى استخدامها.

مما لا شك فيه ان العديد من القراء سمع بما يسمى طريق المعلومات السريع والكثير من الهلوسات حول الفضاء التخيلي، غير ان القليل جداً من رواد هذا الفضاء جاء بتفسيرات واضحة وعملية حول المعاني الكامنة وراء الثرثرة العلمية التي تصم آذاننا. وتأتي هذه السلسلة لتصلح الاوضاع.

اريد لإنترنت، وهي شبكة من شبكات الكومبيوتر ان تصبح المكان الذي سيحوي كل تقنيات المستقبل من حقائق افتراضية وذكاء صناعي وخاصة مصادر الربح للشركات الكبيرة. فإذا لم تغير انترنت حياتك سوف تغير على الاقل طريقة استخدامك للكومبيوتر والاتصالات. غير انك لا تزال تحتاج الى جهاز الكومبيوتر ولوازمه والطاولة والكرسي الذي تجلس عليه.

اين بدأت انترنت؟

ظهرت شبكة انترنت في نهاية الستينات (١٩٦٩ بالتحديد) عندما تحكمت البارانويا (شعور الاضطهاد) بالسلطات العسكرية الاميركية وايقنت ان نظام اتصالاتها بكامله قد يدمر بمجرد ان تقوم طائرة سوفياتية بإلقاء قذيفة محكمة. وبالتعاون مع اخصائيي الكومبيوتر في الجامعات الاميركية، وضعت السلطات العسكرية مشروع شبكة كومبيوتر يمكنها الصمود امام هذا النوع من الهجمات. فإذا تعطل جزء من الشبكة، تنجح البيانات في تجنب الجزء المعطل وتصل الى هدفها بسحر ساحر. واعطي لهذه الشبكة التي لا شكل لها اسم شبكة وكالة مشاريع الابحاث المتطورة (Advanced Reasearch Projects Agency Network او ARPANET). والجديد في هذه الشبكة انها كانت تستخدم اسلوب الند للند (peer to peer) اي ان كل الاجهزة المتصلة بها كانت على قدم المساواة على عكس الشبكات التي كانت متوافرة في تلك الايام (ولا تزال) والتي استخدمت اسلوب الخادم المحتوي على كل شيء والعميل الطرفي الاصم. والهدف من ذلك كان الحؤول دون تحكم جهاز واحد بالشبكة او بالاجهزة الاخرى لأنه عندها اذا تعطل او اصيب بقذيفة يعطل معه الشبكة بكاملها. وكانت البيانات التي يتم ارسالها عبر الشبكة مقسمة الى حزم قياسية تعرف بحزم بروتوكول انترنت ويحتوي كل منها على معلومات حول الجهاز المرسل والجهاز المرسل اليه. ولم يكن من الضروري ابداً معرفة كيفية تنقل البيانات لأنها كانت تسلك اي طريق تجده امامها للوصول الى هدفها. فإذا تمكن الروس من تدمير احدى عقد الشبكة يمكن للبيانات ان تدور حولها وتتابع طريقها (يعني ذلك ان فعالية الشبكة منخفضة جداً لأن البيانات قد تسلك اطول الطرق، لكن المهم هنا كان الامان اكثر من الفعالية). وكانت حزم البيانات مستقلة عن بعضها وكل منها يسلك طريقاً قد يكون مختلف عن الآخر وكان المهم ان تعود هذه الحزم وتجتمع في الجهاز المرسل اليه.

جمعية انترنت تتكفل التصديق على التحديثات التي تدخل على الشبكة. ويوفر موقعها لمحة عن ثقافة انترنت.

وساعد نظام يونيكس الذي كان منتشراً بكثرة في المؤسسات التعليمية خلال السبعينات والثمانينات على انتشار هذه الشبكة لأن بروتوكول انترنت كان مبنياً بداخله مما يعني انه كان من السهل جداً لهذه المؤسسات التعليمية ان تتصل بالشبكة. وبعد مدة قصيرة تحولت الشبكة الى لعبة في ايدي الجامعيين لأنهم اتقنوا استخدامها بشكل افضل من العسكريين المسؤولين عنها. فكانوا يتبادلون المعلومات حول عملهم ولاحظوا ان انتاجيتهم بدأت ترتفع. ولكن في هذه المرحلة بدأت ظاهرة غريبة. فلم يكتف هؤلاء باستخدام الشبكة لأغراض العمل بل بدأوا تبادل الرسائل الشخصية حول ابحاثهم واخبارهم وحتى القيل والقال واسسوا علب بريدهم الالكتروني الخاص مكتشفين بذلك البريد الالكتروني الذي اصبح في ما بعد الوظيفة الاكثر انتشاراً في الشبكة.

وفي آخر الثمانينات، قامت المؤسسة الوطنية للعلوم الاميركية (National Science Foundation) بإنشاء خمسة مراكز تحتوي اجهزة سوبر كومبيوتر ضخمة تتيح لمستخدمي الشبكة الاتصال بها من اي مكان في البلاد. وفي الاساس وفرت شبكة اربانت وسيلة الاتصال بين المراكز وعشرات الآلاف من المستخدمين غير ان ثقل بيروقراطية هذه الشبكة تزايد لدرجة دفعت بالمؤسسة الى انشاء شبكتها الخاصة وهي شبكة المؤسسة الوطنية للعلوم (NSFNET) التي استخدمت بروتوكول انترنت نفسه. وكانت بداية هذه الشبكة ناجحة للغاية، وبعد تحديث البنى التحتية (اجهزة الكومبيوتر وخطوط الهاتف) في آخر الثمانينات، فتحت الشبكة للاستخدامات التجارية في مطلع التسعينات وعرفت بشبكة انترنت.

وفي تلك الايام اخذت انترنت كما نعرفها اليوم شكل شبكة لشبكات الكومبيوتر التي قررت كلها التكلم بلغة واحدة هي تي.سي.بي./آي.بي (Transmission Control Protocol/Internet Protocol) وهي عبارة بإمكانكم تجاهلها كلياً. ويمكن تركيب هذا البروتوكول في الكومبيوتر المتوافق وماكنتوش واميغا واية منصة اخرى مما يتيح لهذه الاجهزة المختلفة التحاور في ما بينها بسهولة تامة.

من المسؤول عن الشبكة؟

يمكننا القول ان لا احد مسؤول وكل الناس مسؤولون. على الصعيد الرسمي هناك جمعية انترنت التي تصدق على مقاييس الاتصال بين اجهزة الكومبيوتر والتي تكوّن تقنية انترنت. فإذا تم طرح نسخة جديدة من البروتوكول مثلاً تتكفل هذه الجمعية بإصداره بشكل رسمي. غير ان هذه الجمعية لا تتحكم بالشبكة تماماً مثل مصلحة البريد التي لا تتحكم بالبلد بمجرد انها توصل البريد لأعلى سلطة فيه. وبدأت حديثاً شركات خاصة مثل نت سكيب تأخذ على عاتقها تطوير مقاييسها آملة بذلك ان يتبعها الآخرون.

ولا يوجد هناك مسؤول عن انترنت لأنه لا يوجد هناك من يملك انترنت. فهي مكونة من العديد من شبكات الكومبيوتر الشخصية لذلك يعود كل جزء من انترنت الى شخص او اشخاص محددين (حكومات او جامعات او شركات او افراد). وقد تكون الحكومات والشركات التي تملك وسائل الاتصالات السريعة، هي التي تملك اكبر جزء من انترنت ولكن وسائل الاتصالات هذه تكون عديمة الجدوى اذا لم يكن هناك اجهزة كومبيوتر متصلة بها.

وقد تكون الحكومات هي التي تملك انترنت لأنها هي التي تضع القوانين في البلاد ويمكنها وضع قوانين للشبكة. ومرة اخرى هذا الادعاء غير صحيح تماماً، فإنترنت هي شبكة شاملة وعابرة للقارات لذلك يكون من المستحيل تقنياً على اي دولة التحكم بما يسير فيها وما يمكن السماح له بعبور الحدود. واذا لم تقم هذه الدولة بقطع كل خطوط الهاتف لا يمكنها منع زيد او عمرو من تحميل المعلومات التي يصلان اليها عبر الشبكة. ورغم ان بعض المعلومات تكون شرعية في بلد ما وممنوعة في بلد آخر، فمن الصعب جداً على الدولة ان تحول دون مرورها.

تنمو الشبكة بوتيرة سريعة لذلك يجب دائماً الاطلاع على كل جديد من العديد من المواقع على نسيج العنكبوت.

ما يعني كل هذا للمستخدم؟

هذا كل ما هو ضروري معرفته عن تاريخ انترنت. فهي مؤلفة من العديد من الشبكات الشخصية مما يعني انه اذا قام احد بإيقاف جهازه المتصل بالشبكة يمكن لهذه الاخيرة متابعة عملها دون مشاكل غير ان الجهاز الذي اوقف يصبح غير متاحاً (لهذا السبب يتعذر احياناً الوصول الى موقع معين على نسيج العنكبوت).

تعود ولادة انترنت الى الحلقات الاكاديمية مما يفسر العديد من المواقف المعادية لتوجهها التجاري لا سيما في حلقات النقاش. وقد قام اخصائيو الكومبيوتر بتطوير الشبكة ونشرها ويوضح ذلك لماذا يرشق العديد من المبتدئين بالنعال اذا طلبوا النصح من المواقع غير الصحيحة.

ولم يتمكن احد من التحكم بالشبكة لذلك نجد ان حلقات النقاش تتكلم عن اي شيء يمكن ان يخطر في بال الانسان على ان العديد من المحامين المتربصين بكل ما يسيء بموكليهم والعديد من مطاردي الايباحيات والعديد من الحكومات القلقة يبذلون جهدهم لمراقبة الشبكة والتدخل في ما تسوقه. وتم تسجيل العديد من المحاولات التي لم تتكلل بأي نجاح يذكر مثل القوانين التي صدرت في اميركا وبعض التحركات في مجلس العموم البريطاني. وفي نهاية سنة ١٩٩٥ خضعت كومبيوسيرف، وهي من اكبر موفري الخدمات الالكترونية في العالم، لضغوط الحكومة الالمانية واغلقت الباب على حوالي ٢٠٠ حلقة نقاش تدور حول الجنس مما تسبب بردة فعل عنيفة جداً من مستخدمي كومبيوسيرف في الولايات المتحدة.

فشبكة انترنت موجودة منذ سنوات دون اي استخدام تجاري، وخلق ذلك روحاً جماعية معينة بين مستخدميها ظهرت في الممارسات التي تميزوا بها والتي كانت بعيدة جداً عن التفكير التجاري ومفهوم الربح. فالمبرمجون مثلاً كانوا يقدمون برامجهم عليها مجاناً والعلماء والاخصائيون كانوا يوفرون معلوماتهم عليها دون اي مقابل وكان يوجد دائماً من يتطوع لمساعدة الآخرين على حل مشاكلهم. غير ان هذه الاجواء بدأت تتغير حيث ايقنت شركات تطوير برامج انترنت مثل نت سكيب وسبراي انها لن تتمكن من الاستمرار في تقديم برامجها مجاناً، مع ان مايكروسوفت مشت عكس التيار (وضد مفاهيمها) عندما قدمت برنامجها «مكتشف انترنت» مجاناً. الا ان هناك امر واحد اكيد هو ان انترنت تتغير دائماً وباستمرار.

لا شك ان العديد من متتبعي اخبار الكومبيوتر لاحظوا الاهتمام المتزايد بشبكة انترنت منذ ما يقارب الثلاثة اعوام. وعمت عناوين البريد الالكتروني ومواقع العنكبوت معظم البطاقات الشخصية وبرامج التلفزيون والاعلانات في المجلات لدرجة ان انترنت بدأت تصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية. وقد يكون احد عوامل انتشار الشبكة النمو المضطرد في مبيعات الكومبيوترات المنزلية التي يأتي معظمها مزوداً بأجهزة مودم وعروض مغرية للاشتراك عند احد موفري الوصول الى انترنت. كذلك ساهم نمو نسيج العنكبوت الدولي وتحسن وسائل الاتصال بالشبكة في انتشارها بين الشركات والافراد.

ووصلنا اليوم الى مرحلة اصبح فيها التعامل مع انترنت سهل للغاية بفضل عجائب البيئة التخطيطية لنسيج العنكبوت. فأي شخص يعرف كيف يعمل على ويندوز او ماكنتوش يمكنه التنقل بين صفحات العنكبوت وارسال البريد الالكتروني وتلقيه دون عناء. وبدأت الشركات تدرك اكثر فأكثر ان هناك ربح وفير يمكنها جنيه من التجارة على انترنت وادى ذلك الى تزايد موفري الوصول الى الشبكة ليصل الى اكثر من ١٢٠ موفراً في بريطانيا وحدها. وادت المنافسة الشرسة بين موفري الوصول الى توفير ادوات وصول سهلة التثبيت والاستخدام.

ونشهد اليوم تحولات مهمة في شبكة انترنت اذ ان العديد من موفري الخدمة الكبار بدأ يدخل الساحة مثل شركات الاتصالات الوطنية (مثل فرانس تليكوم) والخاصة (مثل بريتيش تليكوم او اي.تي. اند تي.)، وسيحاول هولاء اللاعبون تطوير اداء الشبكة وخفض كلفة الوصول اليها.

في الحلقة القادمة سنتكلم عن اختيار الاجهزة الضرورية للاتصال بالشبكة.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.