الصفحة الرئيسية > متفرقات > الكمبيوتر الشخصي والغاء اسطورة الاخ الاكبر
الكمبيوتر الشخصي والغاء اسطورة الاخ الاكبر
بقلم
تعرفت على الكمبيوتر لاول مرة بالصدفة. ففي سنة ١٩٧٦ قررت السفر من لبنان للابتعاد قليلاً عن الاحداث المؤلمة التي كانت تعصف به، والتقيت بصديق يعد العدة للذهاب الى لندن للسبب نفسه فاخترت لندن. ومن اجل الحصول على تأشيرة دخول كان يجب علينا الالتحاق بمدرسة او معهد في بريطانيا لتبرير سفرنا. فذهبنا الى المركز البريطاني للاطلاع على امكانات التسجيل ولكن لم نكن نعرف ماذا نختار. وبدا الامر محرجاً عندما سألنا الموظف عن المعهد الذي نريد الالتحاق به حين وقع نظري على رزمة من الكتيبات الموضوعة امامه فقلت له: نريد الالتحاق بمعهد التدريب على الكمبيوتر. وكان الكتيب الخاص به في اعلى الرزمة.
وبدا الامر اكثر احراجاً لان كل ما اعرف عن الكمبيوتر كان يقتصر على فيلم ٢٠٠١ تجوال الفضاء لستانلي كوبريك حيث يتعطل الكمبيوتر المركزي «هال» ويبدأ بتصفية طاقم سفينة الفضاء واحد تلو الآخر.
وذهبنا الى لندن حيث امضينا ستة اشهر في التعلم على البرمجة بلغة كوبول. وخلال الاشهر الستة لم يتسنى لي ان ارى جهاز الكمبيوتر مرة واحدة، اذ كنا نعمل على جهاز ايواني من آي.سي.ال. البريطانية يعمل بالبطاقات المثقوبة ولكن لم يقل لنا اي كان اين يقع هذا الجهاز. فكانت علاقتنا به تقتصر على كتابة البرامج على ورق خاص وارسالها الى العاملين على ثقب البطاقات. وكان هؤلاء الموظفين يعيدون لنا رزمة ضخمة من البطاقات المثقوبة، كان يجب علينا التدقيق فيها وتصحيح الاخطاء بثقب بطاقات جديدة. وبعد ذلك كنا نرسل الرزمة الى قسم المعالجة الذي كان يعيد لنا نتيجة المعالجة على الورق. وكان انتظار وصول رزمة الورق كانتظار حكم المحكمة. فهذه الرمزة كانت تعرض بوضوح نتيجة برمجتنا والاخطاء التي كنا نقع فيها والتي كانت تتسبب بنتائج غريبة جداً عما قصدناه. ومرت الاشهر الستة ولم نر جهاز الكمبيوتر مرة واحدة. وبدأ يعترينا نوع من الرهبة لدى ذكر هذا الشيء الخفي الذي كان يتحكم برقابنا ويقرر من منا يستأهل النجاح ومن تحل عليه اللعنة، ولم يقنعنا ما قاله لنا استاذنا بأن الكمبيوتر هو عبارة عن غبي يعمل بسرعة فائقة. وانتهت الدورة (بنجاح بالنسبة لي) وكل ما تركت في انفسنا كان شعور باستحالة الوصول الى «الكمبيوتر» واحساس بالضعف والرهبة لدى التعامل معه.
وعدت الى بيروت سنة ١٩٧٧، والتحقت بالجامعة لدراسة العلوم الاقتصادية. وبما ان الكمبيوتر واستخدامه اخذا بالانتشار كانت الدراسة تشمل حصص كمبيوتر منها تعليم مكوناته واصول البرمجة ولمحات عن لغتي باسيك وفورتران. وكانت الكلية مجهزة بميني كمبيوتر من صنع شركة وانغ او بالاحرى هكذا قيل لنا. فخلال ثلاث سنوات من الدراسة لم نر الجهاز الا مرة واحدة من وراء زجاج الغرفة التي كان فيها. ولم يتسنى لنا التعامل مع الجهاز لان تدريس الكمبيوتر في الكلية كان نظرياً وحسب. وكان كل ما يصلنا من هذا الجهاز هو النتائج السنوية التي كان يعالجها. ومرة اخرى شعرت ان مصيري متعلق بشيء خفي لا استطيع الوصول اليه.
وفي سنة ١٩٨٠ ذهبت الى باريس لاتابع اختصاصي في العلوم الاحصائية. ومن يقول احصاء يقول كمبيوتر لأنه لولا تطور هذا الجهاز لما تطور علم الاحصاء. فكان من الطبيعي خلال الدراسة ان نعمل على الكمبيوتر. فتعمقنا بلغة فورتران واطلعنا على بعض برامج التحليل الاحصائي لا سيما البرنامج الذي كانت تستخدمه الجامعة. ولكن في السنة الاولى من التخصص (اي سنة الماجستير) عدنا الى الممارسة نفسها التي اتسم بها التعامل مع الكمبيوتر في لندن، مع فارق اننا كنا نحن نقوم بثقب البطاقات وكنا نحصل في ما بعد على نتائج التحليلات الاحصائية على ورق. وتغيرت نظرتي (او بالاحرى تغير احساسي) بالكمبيوتر. فلم يعد ذلك الشيء الخفي الذي يتحكم بمصيري بل اصبح اداة تسهّل علي تحليل الاحصاءت المختلفة. ولكن الاحساس بالاغتراب لم بتغير اذ لم ار الجهاز ابداً طوال السنة (لمحت ذات مرة الطابعة التي كانت بحجم ثلاجة كبيرة وتصدر اصوات تصم الاذنين خلال الطباعة).
اما في السنة التالية (١٩٨١)، فقد تطور عملنا على الكمبيوتر وسُمح لنا الدخول الى مركز الحساب كما كان اسمه، ساعة نشاء (حتى في الليل) لاتمام ابحاثنا. فساعة صدر الاذن بدخول مركز الحساب هرعت اليه لأتعرف على جهاز كمبيوتر عن قرب، فاكتشفت عدد من الشاشات ولوحات المفاتيح والطابعة التي كنت قد رأيتها سابقاً. فسألت عن الكمبيوتر فقيل لي انه جهاز ايواني كبير من نوع آي.بي.ام. ٣٦٠ موجود في مدينة اورسي جنوب باريس وان الشاشات ما هي الا طرفيات متصلة بالجهاز عبر خطوط الهاتف. فايقنت اني لن ارى جهاز كمبيوتر في تلك السنة. واكثر من ذلك ، تعمق لدي الاحساس بأن الكمبيوتر هو فكرة تجريدية لها مزاجها الخاص. فعندما تطرأ مشكلة خلال عملنا على الطرفيات وتتعطل المعالجة، كان علينا الاتصال بأورسي عبر الهاتف والسؤال عما جرى. وكان الشخص الذي يجيب على استفساراتنا هو هو طوال السنة، ومع اننا تعرفنا على اسمه صار الصوت في الطرف الآخر من الهاتف كما لو انه صوت الكمبيوتر نفسه. فذهبت بنا المخيلة الى اعطاء هذا الجهاز شكل آدمي يتكلم معنا كلما رفعنا سماعة الهاتف. ولم يقتصر الامر على اعطاء الكمبيوتر شكل انسان بل اخذنا نعتقد انه يتصرف كإنسان مزاجي. فكان لدينا ثماني طرفيات غير انه نادراً ما كانت هذه الطرفيات تعمل كلها في وقت واحد. فعادة ما كان يتعطل العمل على بعضها لينتقل الى البعض الآخر وكنا نهرول بين الواحدة والاخرى لمتابعة العمل كما لو ان الجهاز يلاعبنا كالاطفال.
وعدت الى بيروت سنة ١٩٨٣ بعد ان نلت الشهادات التي اردتها، وتم تعييني لتدريس مادة الاحصاء في الجامعة التي بدأت فيها. واصبحت هكذا استاذ احصاء مزود بخبرة ست سنوات في استخدام الكمبيوتر مع انني لم ار شكله بعد.
وهنا تغير كل شيء لأنني تعرفت وللمرة الاولى على جهاز كمبيوتر. فمع ان الكلية حافظت على الميني كمبيوتر لاصدار النتائج الدراسية، الا انها تزودت بعدد من الكمبيوترات الشخصية التي كانت بدأت تنتشر في تلك الفترة. وكانت هذه الاجهزة من صنع وانغ ولم تكن متوافقة كلياً مع كمبيوترات اي.بي.ام.، اي ان نظام دوس الذي كان يدعمها هو نسخة مختلفة عن النسخة المعروفة طورت خصيصاً لهذه الاجهزة.
وفجأة، امام هذا الصندوق الصغير، تداعى البناء الضخم الذي كان في مخيلتي وعاد الكمبيوتر ليتسم بالصفة التي ما كان عليه ان يتخلى عنها وهي الغبي ذو السرعة الفائقة. وبعودة الكمبيوتر الى مركزه الاساسي، اي اداة عملية لتنفيذ مهمات معينة، عدت انا الى مركزي اي العقل المسيطر كلياً على هذه الاداة. وبلغ تبدل العلاقة بيني وبين الجهاز درجة انني قمت بتطوير برنامج تحليل احصائي كامل لاستخدامه في المادة التدريسية دون سابق خبرة في هذا الحقل.
ومنذ ذلك اليوم وانا اتعامل مع اجهزة الكمبيوتر دون المرور بوساطة العاملين على تشغيله والمتخصصين في ثقب البطاقات والمشرفين على طباعة النتائج وخاصة المبرمجين الذي كانوا يعتبرون انفسهم في مرتبة مميزة عن عامة البشر. اي ان ظهور الكمبيوتر الشخصي ادى الى الغاء الوساطة بين المستخدم والجهاز، وهي الوساطة التي كانت تتسبب بشعور الخوف والرهبة اللذين كانا يتملكان بمن يتعامل مع هذا الشيء الضخم الذي لا يخطئ.
لقد تسببت ثورة الكمبيوتر الشخصي بانتاج ثقافة كمبيوتر تختلف كلياً عن تلك الثقافة التي ولدتها الاجهزة الكبيرة (وبالتالي شركة آي.بي.ام. التي انتجتها)، وهي ثقافة الرعب من «الاخ الاكبر» التي ظهرت جلياً في روايات جورج اورويل والدس هاكسلي والكثيرين غيرهم. اما ثقافة الكمبيوتر الشخصي، فقد اعادت هذا الجهاز الى حجمه الطبيعي وجعلته آلة عادية في خدمة الانسان كاي آلة اخرى.
والاهم من ذلك ان ظهور الكمبيوتر الشخصي ترافق مع انتشار لغة باسيك البرمجية التي ادت الى كسر الحاجز المنيع الذي كان يحول دون سيطرة المستخدم كلياً على الجهاز. فبينما ادت الاجهزة الكبيرة الى ظهور فئة خاصة من الناس هم المبرمجون الذين ولدوا عقدة النقص لدى عامة المستخدمين، اتاح الكمبيوتر الشخصي تعميم ممارسة البرمجة واظهارها على حقيقتها كعملية دراسة ومنطق وممارسة.
ومن الغريب ان تبدل المناخ الثقافي هذا تسببت فيه شركة اي.بي.ام. التي انتجت الثقافة السابقة. وصحيح ان الشركة ما كانت تقصد هذا التبدل الهائل بطرحها الكمبيوتر الشخصي بقدر ما كانت تريد دخول سوق جديدة لا تسمح لنفسها الغياب عنها. وبانتاج الكمبيوتر الشخصي، قامت آي.بي.ام. بانتاج المشاكل التي وقعت فيها في ما بعد كونها تأخرت في التأقلم مع الثقافة الجديد التي انتجتها هي نفسها.
بايت الشرق الاوسط
