الصفحة الرئيسية > صحيفة الحياة > تقارب التلفزيون وانترنت والاعلانات يمكن ان يساهم في تسريع موت الشبكة

لماذا نريد ان نرى التلفزيون على شاشة الكومبيوتر؟

تقارب التلفزيون وانترنت والاعلانات يمكن ان يساهم في تسريع موت الشبكة

الخميس ٢٤ نيسان (أبريل) ١٩٩٧, بقلم جورج قندلفت

كلما افتح مجلة او صحيفة متخصصة او غير متخصصة في تقنية المعلومات هذه الايام ارى، بغيظ اكاد لا اكتمه، انها تتكلم عن شبكة انترنت التي سوف تصبح تلفزيوناً لتسلية وترفيه الجمهور!

وحتى «الحياة» لم تشذ عن القاعدة اذ نشرت مقالاً عن تحول هذه الشبكة العالمية الى جهاز تلفزة يدخل بيوتنا الى جانب الجهاز الاصلي.

في الحقيقة، اني لا افهم ماذا يحصل في عالم اليوم. فإننا حالياً مكتفون بابتلاع ما فيه الكفاية من السخافات التي يصبها علينا جهاز التلفزيون التقليدي ولا اعرف لماذا نحتاج الى ابتلاع السخافات نفسها من شاشة الكومبيوتر ولا لماذا يريد الجميع تحويل انترنت لتشبه التلفزيون تماماً. فالتلفزيون موجود وكل الذين يملكون جهاز كومبيوتر في المنزل يملكون ايضاً جهاز تلفزيون. واني متأكد من ان الذين لا يملكون جهاز تلفزيون اليوم هم الذين لا يريدون مشاهدة ما يبثه ولا اعتقد انهم، بعد ان رموا التلفزيون من الباب، سوف يتحمسون كثيراً ان عاد ودخل عليهم من نافذة الكومبيوتر.

من الواضح اليوم ان التلفزيون كما نعرفه بدأ بالدخول الى الفضاد الافتراضي. ولا بد امام ظاهرة التقارب بين التلفزيون وشبكة انترنت ان نتساءل حول مصير هذه الاخيرة. فهل سيفرض هذا التقارب نوعاً من النموذج التجاري على كامل نسيج العنكبوت الدولى؟ وهل سنشهد نهاية التفاعل الذي ادى الى نجاح شبكة انترنت في بداياتها وجعل منها وسيط اتصال ثوري بين الناس؟ وهناك العديد من اخصائيي الشبكة يطرحون هذا النوع من الأسئلة منذ اشهر عديدة.

هل تريد برامج تلفزيون على شاشة الكومبيوتر؟ اتصل بدايركت تي.في.

ومما لا شك فيه ان التقارب بين التلفزيون والشبكة موجود فعلاً اذ ان الذين يعملون في صناعات التلفزة والكومبيوتر والاتصالات يبحثون عن اسواق جديدة ويتوقعون ان يتم استخدام جهاز التلفزيون للدخول الى انترنت وان تستقبل اجهزة الكومبيوتر برامج التلفزيون على شاشاتها.

واوضح دليل على هذا الاتجاه تعطيه الولايات المتحدة حيث تستعرّ المنافسة بين ناشري برامج الكومبيوتر واصحاب محطات التلفزيون والتجمعات الصحافية الكبيرة ومنتجي افلام السينما وموفري البث عبر الكابل لأنهم ادركوا ان صناعاتهم المختلفة هي في طور الاندماج لتصبح صناعة واحدة هي التحكم بالمعلومات وتوفيرها «للمستهلك».

وتتمحور هذه المنافسة حول التلفزيون الرقمي وينوي منتجو برامج التلفزيون وصانعو اجهزة الكومبيوتر صنع «الجهاز الرقمي الاوحد الذي سوف ينتج كل الصور» حسب صحيفة نيو يورك تايمز. ويبدو ان الوسيط الذي سينقل هذه الصور هو شبكة انترنت.

واصدرت الحكومة الاميركية في بداية سنة ١٩٩٦ قانوناً يتيح لشركات التلفزيون امتلاك اكثر من شبكة واحدة ولشركات البث امتلاك انظمة كابل ولشركات الكابل امتلاك محطات تلفزيون. وبدأت تظهر تحالفات استراتيجية على صعيد عالمي قبل التصديق على هذا القانون وبعده. ونذكر منها تحالف مايكروسوفت مع دايركت تي.في. وهي محطة تلفزيون تبث مباشرة بواسطة الاقمار الصناعية على شاشات الكومبيوتر، وقد دخلت ايه.تي. اند تي. في رأسمالها كما اعربت شركات بيل السبعة (Baby Bells) عن اهتمامها بهذه المحطة.

هذا فضلاً عن جهاز ويب تي.في. الذي بدأت شركات مثل فيليبس وسوني بتصنيعه والذي يمكنه نقل المشاهد المتحركة والاصوات الرقمية. ومن جهتها تعقد تايم ورنر وشركات عملاقة اخرى في مجال الكابل والاتصالات سفقات مع موفري اجهزة تحليل الاشارات لاستثمار الانظمة الجديدة التي تبث البرامج التفاعلية على شاشة التلفزيون. وبعد توقيع الرئيس الاميركي على القانون الجديد بثلاثة اسابيع اعلنت شركتا يو.اس. ويست (من اكبر شركات الهاتف) وكونتينانتال كابلفيجن (ثالث اكبر شركات التلفزيون) عن اتفاق اندماج يخلق منافس جديد عملاق في السباق للتحكم بدمج الكومبيوتر والتلفزيون والهاتف.

ارايف هي محطة بث تقرر ماذا يجب ان تشاهده على شاشتك.

ويظهر جلياً مما يحدث ان الهدف هو تحويل شبكة انترنت من وسيط فاعل (او وسيط سحب - pull medium كما يسميه اخصائيو الاتصالات) الى وسيط سلبي (او وسيط دفع - push medium). ويعني ذلك ان مستخدم الشبكة مهدد بانخفاض دوره كعنصر فعال عبر الشبكة ليتحول الى مستهلك لكل ما سوف تصبه عليه هذه الشبكة. فقد تم اتفاق بين تجمع انترببليك غروب، وهو ثاني اكبر تجمعات الاعلانات، وشركة ايفيوجن كوم، وهي شركة توفير معلومات، لإنشاء محطة بث برامج عبر انترنت اطلق عليها اسم ارايف (ArrIve). وسوف تبث هذه المحطة برامجها مباشرة على شاشة الكومبيوتر. وستوفر المحطة للمستخدم مجموعة من المعلومات تم اختيارها مسبقاً ولا يبقى على هذا المستخدم الا الاختيار منها. ويظهر جلياً من هذه الطريقة الجديدة للتعامل مع انترنت ان السيطرة على شاشات الكومبيوتر اصبحت عنصراً اساسياً من المنافسة بين المؤسسات التي توفر المعلومات لا سيما وان محطة ارايف ليست وحدها في الساحة. فهي تواجه محطات مشابهة نذكر منها بوينت كاست وباكويب وانترمايند. هذا فضلاً عن شركتي نتسكيب ومايكروسوفت اللتيين تحاولان هما ايضاً السيطرة على الشاشات. فتستعد مايكروسوفت لاستخدام نظام ويندوز في انشاء اكتيف دسكتوب الذي يوحد العمل على الكومبيوتر وعلى انترنت والذي يوفر المعلومات من شبكة بوينت كاست التي تقدم المعلومات اليوم لحوالي ١.٧ مليون مشترك. ولم تغب انتل عن هذه الساحة، فقد انشأت نظام انتركاست الذي يتيح للأجهزة المزودة بمعالج بنتيوم استقبال اشارات صوتية ومشاهد فيديو مما يتيح للمستخدم تصفح نسيج العنكبوت ومشاهدة برامج التلفزيون في وقت واحد على شاشة الكومبيوتر (يا فرحتي!). وشاركت في هذا المشروع محطات تلفزيون مثل ان.بي.سي. وسي.ان.ان. وكيو.في.سي.

ولا تتوقف محاولات السيطرة على محتوى الشبكة على موفري المعلومات بل تتعداهم لتشمل المعلنين. وتظهر المنافسة شديدة حول الوسائل الكفيلة بجذب انتباه مستخدمي انترنت خاصة في مجال الرسائل الاعلانية. ونشهد حالياً زيادة كبيرة في عدد المؤسسات التي توفر خدمات تقييم الزيارات الى مواقع العنكبوت تماماً مثل تلك التي تقيّم عدد مشاهدي برامج التلفزيون. ويلجأ المعلنين ومواقع العنكبوت اكثر فأكثر الى دبل كليك، وهي شركة ابحاث حول الشبكة. وعلى ضوء الدراسات التي تجريها هذه الشركة على نسيج العنكبوت، تقوم بوضع تصنيف مفصل لزائري المواقع (تذكروا الكعكة!) وتستخدم هذا التصنيف لوضع رسائل اعلانية على الصفحات تناسب مواصفات الزائر. وتظهر هذه الرسائل الاعلانية مباشرة لدى وصول الزائر الى الصفحة المناسبة. وتوصلت دبل كليك خلال الاثنتي عشر شهراً الماضية الى تحديد اذواق حوالي ١٠ ملايين مستخدم للشبكة وتزعم ان ١٠٠ الف مستخدم يضافون كل يوم الى قاعدة مواصفاتها.

احذر عندما تزور موقع على العنكبوت فقد تكون دبل كليك في المرصاد لتأخذ من برنامج التصفح لديك معلوماتك الشخصية.

وفي هذا المجال، وضع عدد من الشركات خلافاته جانياً في اجتماع خلال صيف ١٩٩٦ لإنشاء مكتب الاعلانات على انترنت (Internet Advertising Bureau) في خطوة تهدف الى «تحويل نسيج العنكبوت الانتقائي الى آلة تسويقية عظمى تعمل ٢٤ ساعة على ٢٤» كما جاء في مقال لمجلة وايرد عدد كانون الاول ١٩٩٦ (وهو مقال شيّق للغاية اسمه Beyond the Banner).

ويبدو ان المعلنين لم يعودوا يكتوفون بلصق رسائلهم الاعلانية الجامدة على صفحات العنكبوت بل، وهذا الاخطر، يريدون المشاركة في انتاج محتوى تلك الصفحات، اي بمعنى آخر يريدون القضاء على العنكبوت كما نعرفه اليوم.

من الواضح على ضوء كل ما سبق ان مجال الحرية الذي شكلته شبكة انترنت آخذ بالاضمحلال تحت ضغط الضرورات التجارية. ونتوجه اليوم نحو نموذج يحثّ مستخدمي العنكبوت على التفاعل تحت تأثير منتج معين قد يكون سيارة كما قد يكون مسحوق غسيل. وهناك الآن تجمعات «نقاش» تنشئها شركات تجارية وتدعو المشاركين فيها الى تبادل «الآراء» حول افضل سبل استخدام منتج معين مثل مسحوق تجميل او غسّالة. واني متأكد من ان حلقات تفاعلية اخرى مثل النقاشات حول مسرحية معينة او لعبة معينة او اي موضوع آخر يدخل حالياً في حلقات النقاش سوف تتطور تحت رقابة معلنين لا يتورعون عن قطع النقاشات لتمرير اعلانات عن بضائعهم.

والخلاصة اننا سوف نصل الى وضع حيث ستجعل عوامل الدفع (push) استخدام انترنت ممارسة سلبية مثل مشاهدة التلفزيون من جهة، ومن جهة اخرى، ستخضع محاولات احياء التفاعل على انترنت التي تحث المستخدم على مساهمة فعالة لمتطلبات المعلنين.

قانون السوق يتسبب بإغلاق احد اكبر خدام العنكبوت في فرنسا

خلال كتابة هذا المقال وصلني خبر مفاده ان الوصول الى اكثر من ٦٠٠٠ موقع فرنسي لا يتوخى الربح بات متعذراً منذ ٢٦ آذار مما ادى الى اختفاء حوالي ٢٠ ٪ من انترنت الفرنسي وذلك بعد ايام قليلة من خطاب الرئيس جاك شيراك الذي شجع فيه على استخدام انترنت وزيادة المواقع الفرنسية. ومنذ هذا التاريخ اصبحت المواقع الضحية تعرض شاشة سوداء فيها احرف R.I.P (اي Requesquiat In Pace - ارقد بسلام في اللاتينية).

وسبب هذا الاختفاء هو اغلاق خادم ميغال (Mygale) الذي انشأه طالب جامعي والذي اتاح للافراد والجمعيات فتح مواقع عنكبوت مجاناً. ومنذ انشاءه في آب ١٩٩٦ احرز هذا الخادم نجاحاً (غير تجاري!) منقطع النظير في فرنسا واصبح الخادم الفرنسي الاكثر زيارة في فرنسا والخادم الفرنسي الوحيد المصنف بين اول ١٥ خادماً في العالم.

هل هذا هو عنكبوت المستقبل؟

والسبب في اغلاق ميغال هو ان تجمع ريناتير (RENATER) المسؤول عن شبكة الجامعات الفرنسية منع عنه الوصول الى انترنت بحجة ان هذا الخادم يستهلك جزءاً من تدفق شبكة ريناتير دون دفع بدل مالي، مع العلم ان ريناتير يصف نفسه بأنه شبكة الابحاث الفرنسية التي لا تتوخى الربح والتي تمنع الاستخدام التجاري (مع انها تستقبل مواقع لشركات تجارية مثل تومسون وشركة سكة الحديد وغيرها).
وهكذا في الوقت الذي يعلن فيه الرئيس شيراك عن عزمه تشجيع الفرانكوفونية على انترنت يقع سيف قانون السوق الصارم على رأس ميغال ليحرم الفرنسيين وكل المتعاطين بالفرسية خادماً يتمتع بمنفعة عامة لا جدال حولها.
لمزيد من المعلومات يمكن زيارة الموقع.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.