الصفحة الرئيسية > صحيفة الحياة > حيدر العراقي وجه تشكيلي بارز في سوق الفن المعاصر

بعيداً عن البروتوكولات الفنية «الرسمية» في باريس

حيدر العراقي وجه تشكيلي بارز في سوق الفن المعاصر

السبت ٧ أيلول (سبتمبر) ١٩٩٦, بقلم جورج قندلفت

قد تكون احدى اهم ميزات مدينة باريس المكانة التي تفردها لفن الرسم. فمعظم الفنانين العالميين المشهورين مروا بها واكثرهم اقام فيها. وتشكل اسواق فن الرسم احدى اعرق تقاليد المدينة ولا يمر يوم الا ويقام فيه معرض للوحات الفنية او سوق لبيعها. ويتحتم على محبي هذا النوع من الفن افراد حيز مهم من وقتهم للتمكن من زيارة المعارض والاسواق.
وهناك معارض واسواق اكثر اهمية من غيرها بسبب حجمها ولأنها تجذب المولعين بفن الرسم والطارئين عليه، ومن هذه المعارض «السوق الكبرى للفن المعاصر» التي تقام مرتين او ثلاث في السنة. ويفتح هذا المعرض ابوابه لكل التظاهرات الفنية والاتجاهات المختلفة في الفن الحديث ويشارك فيه بين ٢٠٠ و٣٠٠ رسام ونحات اضافة الى عدد من المصممين والمصورين والتركيبيين.

ومن ميزات هذا المعرض انه يهدف الي تشكيل ظاهرة مضادة للتظاهرات الفنية «الرسمية» التي تقام في المراكز الباريسية الفخمة مثل القصر الكبير او غاليريات الضفة اليمنى بحيث تفتقد الى البروتوكولات وحفلات الاستقبال. وعادة ما تقام هذه السوق تحت خيام كبيرة تنصب خصيصاً للحدث في اكثر مناطق باريس شعبية مثل ساحة الباستيل او غابات الضواحي.

وفي اسواق من هذا النوع نجد انفسنا امام مغامرة يعيشها الفنان المشارك الذي يتحمل وحده مسؤولية اعماله. فنجد اضافة الى الاعمال الجادة ذات البحث الفني الاصيل والتي تتميز بأساليبها الشخصية والتقنية المهمة عبر تجاربها الخاصة، اعمالاً فولكلورية تقليدية واعمالاً اخرى مقلِدة عابرة تتسم بقدر من السطحية. والممتع في الامر هو ان الزوار متنوعون بتنوع الاعمال الفنية. فيأتون من مختلف الفئات الاجتماعية والثقافية ويجد كل منهم ضالته الفنية التي تتماشى مع ذوقه.

وتتيح هذه الاسواق للزائر التعرف على العديد من الفنانين الموهوبين لا سيما اذا كان لا يرتاد الصالات الفخمة (مثل حالتي)، وبالتالي تشكل الاسواق الفرصة الوحيدة له للتعرف على اتجاهات الفن التشكيلي الذي تعيشها فرنسا.

وبمناسبة احدى هذه الاسواق التي اقيمت في غابة بولونيا في غرب باريس خلال شهر حزيران، تثنى لي لقاء حيدر وهو احد الرسامين العراقيين المقيمين في فرنسا والمعروفين جداً في اسواق الفن هذه.

ولد حيدر بالقرب من مدينة اور، قلب وادي الرافدين ومدينة ابراهيم الخليل التاريخية. وكانت مخلفات وبقايا بيت الخليل احد اماكن لعب طفولته. ويذكر حيدر ان في فترة صباه عرف الفن التشكيلي اخصب مراحله مما دفع به الى اكتشاف موهبته والتوجه نحو الرسم. وفي ما بعد، وبين ١٩٧٠ و١٩٧٦ تردد حيدر على الاوساط الفنية والثقافية في بغداد ومارس الرسم ونشاطات فنية اخرى. غير انه اضطر سنة ١٩٧٦ الى مغادرة بلاده كالعديد من العراقيين واستقر في فرنسا حيث يقوم بعرض اعماله يانتظام في باريس وبعض المدن الفرنسية وعواصم اوروبية اخرى مثل لندن وبرلين.

ووجد حيدر في اوروبا العالم الفني الذي كان يدهشه ايام صباه ولا سيما الاعمال السريالية والتعبيرية وكشف هذا الافتتان عن حساسيته في التعامل مع المادة والالوان.

ونجد في اعماله الاولى التساؤلات المشروعة حول كل ما هو لا انساني، واذا كانت لوحاته تشكل حدساً لرؤى تغلفها الكوابيس والحيرة، فإنه عرف كيف يفتح اعيننا على رموز هذه الرؤى وعلاماتها واشكالها والوانها مما يشكل لغة الفنان الحقيقية حيث لا يبقى الا الصرخة الوحيدة الصامتة ولكنها المدوية.

واذا نظرنا الى اعماله نلاحظ ان في بعضها تحتل الالوان البنية الداكنة مساحات مهمة ويساهم وقار الارض المغرية -ذات اللون الاوكري- في الاشارة الى الفضاء المغلق الذي توحي به هذه اللوحات.

اما في اعمال اخرى فنلاحظ ان الالوان الضوئية الساطعة والشفافية الهادئة تصبو الى السماوات الصافية والمدن البعيدة.
واذا كانت الرموز تكشف عن اللاوعي، فإن المواد المستخدمة تتميز بحساسية جسدية تكاد توازي الوجود نفسه او تلك اللذة الهوائية الشفافة كالابواب التي تفتح وتغلق.

يأخذنا حيدر بأعماله ويعود بنا الى الشرق (او ربما يعود اليه بنفسه) بأرضه المتشققة المنبثقة بين نهرين مثل النبضة (الاساطير القديمة كانت تضع الجنة في بلاد الرافدين) حيث تسيل الالوان الاثرية الناعمة التي تطفو في وشاحها السري المتألق.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.