الصفحة الرئيسية > صحيفة الحياة > شبكة انترنت تغير قوانين لعبة نشر البرامج وتتيح فرصاً مهمة لمطوري البرامج الصغار

شبكة انترنت تغير قوانين لعبة نشر البرامج وتتيح فرصاً مهمة لمطوري البرامج الصغار

السبت ٢٢ تموز (يوليو) ١٩٩٥, بقلم جورج قندلفت

اذا سألنا من يسيطر اليوم على صناعة برامج الكومبيوتر الشخصي؟ سوف يكون الجواب السريع هو مايكروسوفت. ولكن اذا اراد احد ان يفصل الجواب اكثر، سوف يقول ان الذين يسيطرون على برامج الكومبيوتر هم الشركات الاميركية عامة.
ولا اعتقد ان سيطرة الشركات الاميركية على صناعة برامج الكومبيوتر ناتجة عن جودة منتجات هذه الشركات، مع ان احداً لا ينكر هذه الجودة. ولكن من الاكيد ان هناك شركات غير اميركية تطور برامج تعادل جودة البرامج الاميركية اذا لم تكن تتفوق عليها (لا شك ان البعض يعرف برنامج لايف بيكتشر الفرنسي لمعالجة الصور والذي يتفوق على فوتوشوب باشواط).

ان سبب سيطرة الشركات الاميركية يكمن في حجم سوق الكومبيوتر الاميركية. فهذه البلاد الشاسعة تجمع حوالي ٣٠٠ مليون نسمة يتكلمون اللغة نفسها ويتميزون بنسبة تجهيز عالية ويتعاملون مع سوق واحدة وبعملة واحدة. واذا قارنا السوق الاميركية بالمجموعات الاجتماعية الاخرى في العالم نجد ان كل منها ينقصها ميزة او اكثر من الميزات السابقة. فالمجموعة الاوروبية مثلاً تحوي ٣٠٠ مليون نسمة موزعين على ١٤ بلداً ويتكلمون تسع لغات مختلفة فضلاً عن اختلاف العملات والاسواق. اما المجموعة العربية التي تحوي حوالي ٢٠٠ مليون نسمة، فمع انها تتكلم لغة واحدة الا انها موزعة على ٢٢ بلداً وعدد مساو من الاسواق.

هذا وتقوم الشركات الاميركية باستغلال هذه الخصائص التي تتميز بها سوقها، فضلاً عن انه من المرجح كثيراً ان اميركا لا تقبل بأن تأتي شركة غير اميركية وتحاول ادهاش السوق الداخلية بأي من منتجاتها (اذكر ان شركة براكتيكال سولوشن المصرية حاولت دخول السوق الاميركية ببرنامج ارت بيت للرسم ولكني اشك انها نجحت).

هناك طبعاً الشواذ الذي يثبت القاعدة والمتمثل بشركة انسغنيا البريطانية التي تطور برامج محاكاة ويندوز على انظمة ماكنتوش ويونيكس. ولكن من المعروف ان هذه الشركة تعمل ما في وسعها لكي تبدو شركة اميركية، وفي العام الماضي قامت بنقل مركزها الرئيسي الى الولايات المتحدة محاولة بذلك اخفاء اصلها البريطاني.

آفاق جديدة

ولكننا نشهد حالياً تغيرات جذرية وظهور فرص جديدة تقدمها شبكة انترنت. فنلاحظ اليوم ان الوسائل التقليدية لتوزيع البرامج والتي ساعدت في تثبيت الاحتكار الاميركي بدأت تضعف لصالح اساليب جديدة من المنتظر ان تتيح الفرص نفسها لجميع ناشري البرامج.

في الايام التي كان يتم فيها تسويق البرامج بالوسائل التقليدية من التصنيع الى الاعلانات وحتى التوزيع، كانت الشركات الكبيرة القادرة على صرف المال على الحملات الاعلانية والترويج هي التي تسيطر في النهاية. وعندما بدأ مستخدمو البرامج بتأسيس مجموعات الضغط واكتشفوا مقدار القوة الذي يمكن لهذه المجموعات ان تتمتع به، كانت المرحلة الاولى من صناعة البرامج قد انتهت ولم يبقى في الساحة الا قلة من شركات نشر البرامج الضخمة التي تقدم خدماتها الى مؤسسات اكثر ضخامة تشتري البرامج بآلاف النسخات.

غير ان ظهور شبكة انترنت غير قوانين اللعبة من اساسها لأن المستخدمون وجدوا نفسهم عبر هذه الشبكة على اتصال دائم ومباشر بين بعضهم. والنمو المدهش لنظام الاخبار يوزنت الذي يضم تجمعات نقاش واسعة اتاح عرض النقاشات حول المنتجات الجديدة على الكرة الارضية بكاملها ليقرأها من يملك جهاز مودم وحساب وصول الى انترنت.

ولا شك ان هذه الظاهرة قلبت حياة الشركات رأسا على عقب لا سيما منها الشركات التي تعودت على كتمان اي اخبار والتي لا يمكنها سماع كلمة «خطأ» (bug) دون ان تحكمها الرجفة. وايقنت هذه الشركات انه لا مفر من اعتماد سياسة جديدة تعتمد على نوع من الشفافية ومقدار من الصراحة في تبادل الآراء بينها وبين المستخدمين الذين اصبحوا اكثر خبرة من ان تخدعهم اعلانات اقسام العلاقات العامة التي تحاول جهدها لاخفاء الشوائب عن منتجاتها.

وقد سجلت انترنت حتى الآن بعض الانتصارات المدهشة في هذا المجال. ولعل اعظم غنيمة حققتها هذه الشبكة مؤخراً هي رأس شركة انتل مشكوك على حربة بعد فضح الخطأ الذي كان يعتري وحدة الحساب في معالج بنتيوم. وشهدت شبكة انترنت خلال هذه الفترة موجة عارمة من النقاشات بين المستخدمين ثبتت قوتهم وفتحت مرحلة جديدة في صناعة البرامج. وتمكنت انتل من النجاة من هذه الازمة لأنها ادركت ان مرحلة التكتم والانكار القديمة قد ولت وحلت مكانها قوانين جديدة للعبة.

اما المعركة الثانية المهمة التي تدور رحاها حالياً على انترنت، فتتعلق بنظام تسجيل ويندوز ٩٥ العتيد. وقد اكتشف المستخدمون ان هذا النظام يقوم بفحص القرص الثابت في الجهاز المستقبِل ويرسل المعلومات عنه الى مركز مايكروسوفت في ريدموند. وعلى اثر هذا الاكتشاف قامت القيامة في تجمعات يوزنت ولم تقعد، ومن المؤكد ان ردة فعل مايكروسوفت سوف تكون ادخال خيار جديد على وظيفة التسجيل في ويندوز ٩٥ يتيح للمستخدم رفض فحص قرصه (هذا اذا اصرت الشركة على وظيفة الفحص هذه).

ان اكبر تحدي تواجهه شركات نشر البرامج من انترنت هو انه يمكن تقديم كميات متزايدة من البرامج على الشبكة على شكل نسخات تجربة او نسخات عرض او ما شابه. ولا يتكلف موزع هذه البرامج شيئاً اذا عرض منتجاته بهذا الشكل على انترنت وسمح للمستخدم بتحميلها في جهازه لاختبارها ومعرفة اذا كان يحتاجها ليدفع ثمنها. وتبقى هذه العملية عادلة خاصة وان توافر اجهزة المودم التي يمكنها العمل بسرعة ٢٨٨٠٠ بت في الثانية يجعل من تحميل عدة ميغابايتات من البرامج المضغوطة عملية غير مكلفة.

من جهة ثانية، لا يحتاج المستخدم الى تحميل البرامج كاملة في دفعة واحدة. واذا اخذنا برنامج مثل بيج ميكر الذي يأتي على سبعة اقراص او اكثر، قد لا يتعدى حجم الملفات الضرورية للمستخدم نصف هذه الاقراص. ويمكن للمستخدم تحميل الاجزاء التي يحتاج اليها فقط لأنه بعرف انه يستطيع العودة الى الشبكة حين يشاء وتحميل اجزاء اخرى ما دام الجهاز الخادم في الطرف الآخر من الشبكة يعمل ٢٤ ساعة في اليوم و٣٦٥ يوماً في السنة. ومن المؤكد اننا سنشهد في المستقبل القريب امكان تثبيت برامج جديدة مباشرة من شبكة انترنت دون الحاجة الى تحميلها مسبقاً.

اما ناشر البرنامج، فتقدم له هذه الوسيلة حسنات مهمة. ففضلاً عن انخفاض كلفة نشر البرامج على انترنت، يمكنه صيانة هذه البرامج يومياً وتصحيح اخطائها ليقوم المستخدمين بتحميل التصحيحات في اليوم نفسه. وهذا شيء يصعب تصور حدوثه مع عمليات التسويق التقليدية حيث يبذل ناشرو البرامج جهود كبيرة لاخفاء عمليات تصحيح الاخطاء التي ينفذونها لألا ينفجر الطلب على هذه التصحيحات (الكل يعرف ما تكلفته انتل لابدال معالج بنتيوم المشوب).

يبدو امام هذا الواقع الجديد ان وسائل التسويق القديمة سوف تصبح من الماضي لأنها تناسب اسواق هي الآن في طور الاختفاء. لذلك هناك اليوم فرص ذهبية للمطورين الصغار الذين لا يمكنهم تحمل كلفة الحملات التسويقية الضخمة للدخول الى السوق الجديدة التي كانت يوماً لا تستقبل الا من يبدأ برأسمال ٢٠ مليون دولار او اكثر. ولا شك ان هناك الكثير من المبرمجين المميزين في العالم عامة وفي المنطقة العربية خاصة يمكنهم استغلال هذه الفرص الجديدة اذا طوروا برامج جيدة. ونؤكد على صفة جيدة لأن البرامج الرديئة لا يمكنها اخفاء عورتها طويلاً على شبكة انترنت.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.