الصفحة الرئيسية > صحيفة الحياة > كومبيوتر الشبكة: خطوة الى الوراء

كومبيوتر الشبكة: خطوة الى الوراء

السبت ٣ آب (أغسطس) ١٩٩٦, بقلم جورج قندلفت

كشفت شركة صن عن الاتفاقات الاولى التي عقدتها مع شركات اخرى حول لغة جافا. ويبدو ان الكل يريد هذه اللغة فقد اعلن كل من ان.اي.سي. وسامسونغ وميتسوبيشي وغولدستار وتومسون عن اهتمامه بتطوير شرائح تدعم جافا.

من جهة اخرى، تهافتت سبعون شركة في ٢٠ ايار الماضي للاعلان عن دعمها لمبادرة اوراكل التي تتعلق بتطوير كومبيوتر الشبكة. فالكل يؤيد بدرجات متفاوتة مفهوم الجهاز المخصص لشبكة انترنت الذي سيشكل ثورة نهاية القرن العشرين.

والخبران السابقان متكاملان بقدر تكامل مبادرتي صن واوراكل اذ ان نظام تشغيل كومبيوتر الشبكة يعتمد على لغة جافا.

وعند الاطلاع على هذين الخبرين يتبادر سؤالان الى الذهن. السؤال الاول هو: من يقرر ان لغة جافا هي اعظم اختراع منذ ظهور الكومبيوتر الشخصي؟ هل هم المصنعون او المستخدمون؟

اما السؤال الثاني فهو: هل يفرض علينا (نحن المستخدمون) المصنعون لغة برمجة ركيكة وجهاز طرفي احمق يعيدنا الى عصر ما قبل الكومبيوتر الشخصي لمحاربة سيطرة مايكروسوفت وانتل على السوق وحسب؟

لا مفر من التطور. وتظهر علامات التطور كل يوم او على الاقل كل شهر وتشبه تطور الانسان نفسه. فقد بدأنا رحلتنا البرمجية في مستنقع لغة الجهاز الثنائية ثم بدأنا بإطلاق لحانا (معظم مبرمجي الكومبيوتر يطلقون لحاهم ولا اعرف لماذا) وخرجنا من المستنقع الى شط لغة اسمبلر لنصعد بعد ذلك الى تلة لغة فورتران ولغات المستوى المرتفع الاخرى. ومن ثم اصبحنا مثقفين واخترعنا مناهج البرمجة واللغات المعتمدة على الكتل المنظمة وظهرت في آخر لحظات التطور تقنية البرمجة من خلال التوجه نحو العناصر. وولّد تطور البرمجة هذا فينا احساساً بالارتياح وشعرنا ان فن البرمجة يقودنا الى عالم افضل.

بالطبع لا يزال هناك مبرمجون يتعاطون بوحول لغة الجهاز الثنائية ويطورون بلغة فورتران ٤. هذه هي حال الدنيا. فالعالم الذي نعيش فيه يوفر لنا الوصول الى كل مراحل التطور في اي مجال كان. ولكن يبدو اننا خطونا اليوم خطوة مهمة الى الوراء والسبب هو انترنت.

لماذا جافا؟

دفع انترنت بالعديد من المبرمجين الى العدو يميناً وشمالاً كالدجاج المذبوح محاولين تعلّم آخر لغة برمجة جاءت بها الشبكة قبل فوات الاوان.

ففي البدء جاءت لغة تعليم هايبرتكست (HTML) التي لا تشكل لغة برمجية بالمعنى الصحيح بل تتكون من مجموعة من علامات تنسيق الصفحات تشمل ادخال روابط بين المستندات. وبما ان هذه اللغة لا تفي بالغرض جاءت لغة بيرل (Perl) وهي لغة قديمة ومحترمة. وطلعت علينا اليوم جافا وهي لغة جديدة كان لها وقع الصاعقة في عالم الكومبيوتر. ولكن هل نحتاج لغة برمجة جديدة؟ قطعاً لا.

فمنذ ظهور نظام ويندوز بدأ عدد اللغات البرمجية يالانخفاض الى ان انحصر تقريباً بلغتي فيجوال بيسيك وسي++. ومع ان عدداً من المبرمجين لا يزال يتعامل مع لغات مثل فورتران وكوبول غير انه من المستبعد ان تعود هذه اللغات لاحتلال المكانة التي كانت تتمتع بها في السابق وتنافس اللغتين المسيطرتين. الا ان احتكار فيجوال بيسيك وسي++ لسوق البرمجة تزعزع بشكل جدي من عودة لغة باسكال الى الواجهة على شكل نظام دلفي ولكن باسكال لغة موجودة بقوة في الدوائر الاكاديمية والجامعية منذ زمن بعيد وعادت اليوم الى الواجهة بحلة جديدة.

من خلال هذه اللغات القليلة تبدو سوق البرمجة وكأنها تتمتع بالترتيب والنظام. اما اذا اردنا استعراض لغات البرمجة الموجودة فعلاً، فيكفي الذهاب الى الجامعات حيث تظهر لغة جديدة كل فترة ثم تختفي ويكون الهدف منها تثبيت نظرية او حل معضلة وحسب. والقليل من هذه اللغات ينفذ الى العالم الخارجي ولكنه يظل محصوراً بعدد قليل من المتحمسين.

ويتم ابتكار اللغات الجديدة حالياً لتطوير تقنية التوجه نحو العناصر او لدعم البرمجة المتوازية او لاختبار الذكاء الصناعي.

اذن لماذا جافا؟

تبدو هذه اللغة وكأنها مسخ متخلف من لغة سي++. اذن لماذا نحتاجها؟ ومع ان السؤال وجيه الا ان الجواب لا يتعلق بالبرمجة بحد ذاتها. فتتمتع جافا بميزة غريبة هي انها لغة مترجمة (interpreted) مثل لغة بيسيك في عصورها الغابرة. ويعني ذلك ان انها تدعم اي جهاز يحتوي على برنامج تصفح فيه مترجم لجافا. ويعني ذلك ايضاً ان جافا لغة بطيئة للغاية. واذا تعمقنا قليلاً في الادعاءات التي واكبت جافا لن نعثر على اي جديد بل على مفاهيم قديمة مكسوة بلباس جديد.

اذا سمحت لنفسي ان ابدي رأياً، اقول انه لا يوجد اي سبب لاعتماد لغة جافا اذ كان من الممكن تطوير الاسلوب نفسه والاداء نفسه من خلال اللغات الموجودة حالياً مثل بيسيك وسي وباسكال. ولإثبات ذلك تطور مايكروسوفت حالياً نسخة من فيجوال بيسيك اسمها فيجوال بيسيك سكريبت وتعتبر نوعاً من لغة فيجوال بيسيك للتطبيقات التي تشحن مع برامج اكسل واكسس. ولست في صدد تقييم هذه اللغة بل استخدمها كحجة على اننا لا نحتاج الى لغة جديدة لتنفيذ ما يفترض بجافا ان تنفذه.

اذن لماذا جافا؟ قد يكون الجواب على هذا السؤال عند المسوقين وليس عند المبرمجين. ومن الطبيعي ان مبرمجي شركة صن متحمسون جداً للغتهم الجديدة ولكنني لا ارى هدفاً لطرح لغة جديدة غير هدف ارباك السوق عامة ومايكروسوفت وانتل خاصة. فلسنا نحن الذين نحتاج الى جافا بل تحتاجها صن والشركات الاخرى التي تدعمها والتي سوف تجني الارباح من جراء اعتمادنا لها.

لماذا كومبيوتر الشبكة؟

من المحتمل ان لا يكتفي انتشار شبكة انترنت بدفعنا خطوة الى الوراء في البرمجة بل قد يدفعنا خطوة اخرى. فمع طرح ويندوز ٩٥ بدأنا بالكاد نتعلم البرمجة بهندسة ٣٢ بت (لم استوعبها كلياً حتى الآن) ولكن انترنت سوف يفرض علينا برمجة اجهزة تبدو من الضعف الى درجة انها لن تحتمل حتى دوس نفسه. فمن اجل التخلص من سيطرة مايكروسوفت وانتل، تقترح علينا بعض الشركات العودة الى الاجهزة الطرفية البلهاء والغاء سنين من الحرية التي اتاحها لنا الكومبيوتر الشخصي.

ومبدأ كومبيوتر الشبكة (عرضنا هذا الجهاز في موضوع سابق) يعتمد على جهاز بسيط للغاية يتم تزويده بوسيلة وصول الى انترنت. فلا يحتاج الجهاز الى قوة كبيرة لعرض صفحات نسيج العنكبوت والتعامل مع بروتوكولات الشبكة.

وفكرة جهاز مخصص للوصول الى انترنت ليست سيئة في المبدأ ولكن يصبح الامر خطيراً عندما تبدأ شركات كبيرة مثل صن واوراكل ونوفيل بالترويج لفكرة ان جهاز طرفي يمكنه الحلول مكان الكومبيوتر الشخصي. فتقول هذه الشركات: من يحتاج نظام تشغيل او وحدة تخزين عندما يمكنه تحميل تطبيقات جافا من الشبكة في الذاكرة الصغيرة للجهاز الطرفي الذي يصبح باستطاعته تشغيل برامج معالجة الكلمات او الجداول الالكترونية او قواعد البيانات وتخزين هذه البيانات في الجهاز الخادم البعيد.

وتقول الشائعات انه سيتم استخدام نظام تشغيل صغير لا يتعدى حجمه ٣٥٠ كيلوبايت وينحدر من برنامج طورته اوراكل. ويفترض بالجهاز ونظام تشغيله ان يشكلا بيئة مفتوحة للجميع. ولكن القليل من التفكير يكشف ان هذا الزعم لا معنى له لأن التوافقية المطلوبة لتحميل لغة تعليم هايبرتكست وتشغيل بروتوكول تي.سي.بي. وجافا يجب ان تكون متخصصة جداً وغير ملائمة لمفهوم البيئة المفتوحة.

والظاهر ان كومبيوتر الشبكة هو محاولة دفع مفهوم الخادم والعميل الى حدود اللامعقول. فمن المعروف ان الاجهزة الطرفية البلهاء كانت ولا تزال تستخدم في الشركات الكبيرة وتتصل بأجهزة خدمة هذه الشركات وتتخصص بوظائف قليلة ومحددة. وحتى في تلك الشركات هناك نقاشات حامية حول مكان تخزين البيانات واستنتج العديد من المتخصصين ان البيانات الوحيدة التي يجب تخزينها في الجهاز الخادم هي البيانات المشتركة لكل محطات العمل. اما البيانات الاخرى فيجب تخزينها في محطات العمل نفسها مما يفرض على تلك المحطات ان تتمتع بوحدات تخزين وانظمة تشغيل حقيقية. ولا يجب الغاء وحدات التخزين المحلية بحجة زيادة سرعة الاتصالات. على اي حال لا تزيد سرعة الاتصالات حالياً بالقدر الكافي لتدعيم حجة الخادم والعميل.

وبعد ذلك كله يريد مؤيدو كومبيوتر الشبكة تعميم نموذج الخادم والعميل على جميع مستخدمي الكومبيوتر وتعليق مصيرهم ومصير بياناتهم بجهاز بعيد لا يعرفون عنه شيئاً.

فيبدو ان الامر لا يتعدى كونه مؤامرة للقضاء على سيطرة مايكروسوفت وانتل على سوق الكومبيوتر. ولكن البديل ليس الا خطوة الى الوراء.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.