الصفحة الرئيسية > صحيفة الحياة > مطبات في طريق المستخدمين الراغبين في مكاتب لا تتعامل بالورق

مؤيدو النظام اخفقوا في التعريف بفضائله

مطبات في طريق المستخدمين الراغبين في مكاتب لا تتعامل بالورق

السبت ٤ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٩٥, بقلم جورج قندلفت

تعطلت طابعتي الاسبوع الماضي فبقيت ما اسبوعاً بحاله دون طابعة.

وكان لهذا الحادث وقع الكارثة لأنني اولاً لا افقه شيئاً في ما يتعلق بهندسة الطابعات (والا لكنت اصلحتها بنفسي) وثانياً لأنني لم اتمكن خلال هذا الاسبوع من طباعة اي شيء.

وعادة عندما اكون مضطرباً وغاضباً ابدأ بممارسة رياضة التنظير في امور الحياة انطلاقاً من الامر الذي كان سبب غضبي. ولم احد عن تلك العادة عندما تعطلت الطابعة وجلست امام مكتبي ونظرت حولي وتساءلت اين انا من المكتب بلا ورق (paperless office)؟

وبما انني لا اختلف عن غيري من البشر كان الجواب انني لا ازال بعيداً للغاية. فحتى قبل ان ارسل مقالاً عبر المودم او على قرص مرن الى جريدة «الحياة»، اشعر انني يجب ان اطبعه لتدقيقة على الورق. ذلك بالرغم من توقعات صناعة الكومبيوتر منذ عشرين عاماً حول الغاء الورق لصالح المعلومات الرقمية. وسمعنا وعوداً بتوفير الواح العرض المسطحة التي تشبه الورق وشاشات العرض الصغيرة المحمولة. ولكن ماذا حدث بعد ذلك؟

الجواب هو ان مبيعات الورق زادت اضعافاً مضاعفة ولوح العرض الوحيد الذي تم طرحه هو لوح كروزباد من زينيث والذي يبلغ وزنه ١٫٥ كيلوغراماً مما يعادل رزمة كاملة من الورق، ولا يبدو ان هذه التطورات تنبئ بأي انخفاض في استهلاك الورق.

في الحقيقة اخفقت صناعة الكومبيوتر حتى الآن في توفير وسيط يشبه الورق في متعة لمسه وراحة النظر اليه. وفشلت ايضاً التقنيات الجديدة مثل البريد الالكتروني واجهزة المسح الضوئي وبرامج التعرف على الحروف وشبكة انترنت في الحلول مكان الورق. فبعد سنين من الوعود بالمكاتب بلا ورق لا تزال الاشجار تقطع في سبيل استهلاك المكاتب للورق. فماذا حدث؟ هل خانتنا التكنولوجيا ام نحن الذين خنّاها؟

دخلت ذات يوم شركة تنشط في حقل الكومبيوتر وكان الجميع شاخص الى شاشته ومع ذلك كانت آلة النسخ في حالة تشغيل دائمة. وسألت احدى العاملات هناك عن السبب، فقالت انها لا تتذكر ابداً ما تشاهده على الشاشة وعليها معاينته على الورق.

ومع ان دور الورق كوسيط تخزين بدأ ينحسر لصالح التخزين الرقمي على وسائط مغنطيسية او ضوئية، الا ان دوره كوسيط مؤقت لا يزال ينمو باستمرار. ويعود ذلك جزئياً الى تطور طابعات الليزر التي تخرج الورق بسرعة لم تعرفها الطابعات النقطية ابداً. فقد اصبح من السهولة بمكان طباعة ورقة لمعاينتها بدلاً من التدقيق في عملنا على الشاشة. وسوف يظل الامر هكذا الى ان يتم تطوير شاشات عرض تشبه الورق بحجمها ولا تحتاج الى الاسلاك لوصلها بالجهاز. رغم ذلك يبقى من الممكن الاقتراب من المكتب بلا ورق اكثر مما هو عليه الوضع اليوم لا سيما داخل الشركات المجهزة بانظمة شبكات محلية كاملة. فالمكتب بلا ورق ليس حلماً بعيداً، وقد يؤدي حجم شاشة العرض ودقتها ودرجة انعاشها الى اقترابها كثيراً من الورق بالنسبة لعدد كبير من المستخدمين. الا ان عدداً آخر من هؤلاء قد يفضل دائماً تقليب صفحات المستندات الورقية وترتيبها في الخزائن والادراج.

الحلقة المفرغة

مهما كانت طبيعة العمل، على الورق او على الشاشة، تتبع الوثائق كلها دورة واحدة هي الادخال والمعالجة والاخراج ثم يصبح الاخراج ادخالاً بالنسبة لشخص آخر وتبدأ الدورة من جديد. وقد تكون كيفية معالجة الورق في شركة ما معياراً لاقترابها من المكتب بلا ورق او ابتعادها عنه. وفي افضل الحالات يتم فرز الوثائق الداخلة الى الشركة ومسح الوثائق المهمة ضوئياً لتخزينها في نظام الكومبيوتر.

واذا كان هذا النظام جيداً، يقوم باستقبال رسائل الفاكس مباشرة في الكومبيوتر علماً بأن معظم الوثائق الاخرى يتم انتاجها بواسطة هذا الكومبيوتر مما يفتح المجال امام تنقل هذه الوثائق الكترونياً بين الاشخاص او من خلال وسائط تخزين مغنطيسية. غير ان العائق الاهم امام هذا النظام المثالي هو التوافق بين تنسيقات البيانات الرقمية.

ومن اجل التغلب على هذا العائق طرحت شركات مثل ادوبي ونوفيل برامج تطمح ان تكون مقياساً عاماً لتخزين الوثائق وهي اكروبات وإنفوي وكومون غراوند (من شركة كان اسمها نو هاندز). هذا اضافة الى مقاييس اخرى مثل لغتي بوست سكريبت وتعليم هايبر تكست (HTML) للنشر على شبكة انترنت وهما لغتان لوصف الصفحات. ودفع تعدد المقاييس هذا بالمستخدم الى اللجوء الى ابسط قاسم مشترك بين الملفات وهو تنسيق اسكي.

هذا وظهر مقياس جديد هو تبادل الوثائق الالكترونية (Electronic Document Interchange -EDI) من المفترض ان يقدم تنسيق قياسي لتبادل الوثائق بين الشركات التجارية، الا انه لم يثبت اقدامه اذ ان كل منطقة في العالم تطرح مقاييسها مثل انظمة انسي اكس ١٢ (ANSI X.12) واديفاكت (EDIFACT) في الولايات المتحدة وترايدركومز (TRADERCOMMS) واوديت (ODETTE) في اوروبا دون ان تتبع الشركات التجارية تلك المقاييس بالضرورة.

وتتسبب كل هذه المقاييس بمشاكل توافق تدفع المستخدمين الى الرجوع الى الورق لاستخدامه في العروض والتخزين والتبادل.

فلنفترض انك قمت بمسح مستندك ضوئياً لتخزينه رقمياً. ان اول مشكلة تواجهها هي تحويل الصورة التي مسحتها الى نص لتوثيق المستند بشكل سليم. من اجل ذلك سوف تستخدم برنامج تعرف ضوئي على الحروف ولكن هذا النوع من البرامج لا يزال غير مثالي اذ انك تحتاج الى طباعة المستند على الورق لتدقيقه. لذلك فكلما تحسنت انظمة التعرف على النصوص والتوثيق الالكتروني كلما خف استهلاك الورق.

اما المشكلة الثانية التي قد تواجهك فهي مصير الوثيقة الورقية بعد مسحها. فإذا تخلصت منها كيف يمكنك البرهنة في المحاكم مثلاً بأن النسخة الرقمية المخزنة في جهازك هي الاصلية ولم يتم التلاعب بها؟ هناك استاذ قانون في جامعة اكسفورد اقترح مسح نسختين على الاقل من الوثيقة وحفظ احدى النسختين لدى طرف ثالث مستقل ليست له اية مصلحة في الشركات. وكانت حجة هذا الاستاذ ان حفظ نسخة مصدقة لدى طرف ثالث موثوق به والبرهان على ان نظام الكومبيوتر سليم يعادلان كبراهين الادلة الشفهية التقليدية (مثل اقوال الشهود) في المحكمة.

بعد دخول الوثيقة الى جهاز الكومبيوتر يبدأ دور ما يسمى بنظام المعلومات. وتختلف انظمة المعلومات باختلاف اشكال التعامل مع الوثيقة. وانظمة المعلومات هذه هي نوع من قواعد البيانات الكبيرة التي نعرف منها في المجال التجاري قواعد اوراكل وسايبيس وانغرس وانفورميكس.

ويأتي التطبيق الذي يتعامل مع البيانات فوق القاعدة. ويمكن تصنيف الكثير من هذه التطبيقات في خانة المحاسبة او ادارة المخزون وهي متوافرة منذ عدة سنوات. وهناك الكثير من التطبيقات الحديثة التي تستغل الوضع الالكتروني للبيانات ويتم تصنيفها عادة في خانة برامج مجموعات العمل (workgroups) او تدفق العمل (workflow) او ادارة المستندات. وهناك غموض في التمييز بين هذه العبارات لأن تطبيق تدفق العمل بالنسبة لشخص ما قد يكون تطبيق ادارة مستندات بالنسبة لشخص آخر. المهم هنا هو ماذا يمكن العمل بالمستندات الالكترونية دون الدخول في تصنيف التطبيقات.

المستندات الالكترونية

يشكل البريد الالكتروني اكثر المستندات الالكترونية انتشاراً. واذا تم استخدامه بشكل سليم يمكنه تحسين الاتصالات بين العاملين ضمن المؤسسة لأنه سريع وعملي. ولكن خطر البريد الالكتروني كما اختبره العديد من الشركات هو تكاثر الرسائل وغرق المرسل اليه فيها. فقد برهن البريد الالكتروني انه حتى اسوأ مستخدمي لوحة المفاتيح يحضرون الرسائل بنفسهم ولا يعتمدون على موظفين آخرين. وقد يوظفون الآخرين كحواجز امام تدفق رسائل البريد الالكتروني.

ومن ميزات البريد الالكتروني انه اصبح من الممكن ارساله الى اي مكان على الكرة الارضية بكلفة لا تذكر مقارنة بكلفة ارسال الرسائل الورقية وبوقت اسرع بكثير من هذه الاخيرة. هذا ينطبق بالطبع على الرسائل التي لا تحتوي ملفات كبيرة مثل الصور او غيرها التي يستغرق تحميلها في الكومبيوتر ساعات.

وهناك اليوم تطبيقات يمكن برمجتها لتبحث عن كلمات معينة في الوثائق الالكترونية وتتعامل مع هذه الوثائق بطريقة محددة، ومن هذه التطبيقات نذكر بياند ميل (BeyondMail) من شركة بانيان ونوتس من لوتس. وتقترب هذه التطبيقات بعملها من مفهوم تدفق العمل الذي يرسل الوثيقة في مسلك محدد مسبقاً حول الشركة حيث يتم نقل الوثيقة من وظيفة الى اخرى عبر شبكة الشركة. والفرق الوحيد بين تدفق العمل والتطبيقات المذكورة هو ان الاخيرة تتيح للمستخدمين التحكم بالبريد الالكتروني ومشاركة البيانات بينما الاول يتحكم هو بالمستخدمين. وتشكل معالجة المطاليب في شركات التأمين افضل الامثلة لنظام تدفق العمل. فكلما تم الانتهاء من مرحلة معينة في المعالجة تنتقل الوثيقة الالكترونية الى وظيفة اخرى. وكثيراً ما يقوم النظام بالتدقيق في نسبة انشغال المستخدمين فينقل الوثيقة الى المستخدم غير المثقل بالعمل.

ان التكنولوجيا اللازمة للوصول الى المكتب بلا ورق موجودة ولكنها لا تكفي وحدها. فالناس يجدون ان التعامل مع الورق افضل من العمل على الشاشة في الكثير من المجالات. ومع انه يمكن لمعظم نشاطات التجارة والاعمال ان تتم دون ورق يتردد العديد من الشركات امام الاستثمارات التي تتطلبها هذه الخطوة لا سيما وانها لم تقتنع بعد ان هذا النظام قد يوفر الكثير من التكاليف في المدى البعيد.

ان المدافعين عن المكتب بلا ورق خاصة الذين يقدمون الاجهزة والبرامج لدعمه لم يبدوا الكثير من الحماس لتوضيح منافعه. واذا لم يبدأوا بحملة كبيرة للاعلام عن ميزات المكتب بلا ورق ستبقي المؤسسات على استهلاكها للورق حتى يصل يوم تضطر فيه الى الانتقال تحت ضغط المنافسة.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.