الصفحة الرئيسية > صحيفة الحياة > من يحمي مستخدم الكومبيوتر من شركات نشر البرامج؟
من يحمي مستخدم الكومبيوتر من شركات نشر البرامج؟
السبت ١٨ تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٩٥, بقلم
تشكل قرصنة برامج الكومبيوتر احدى اهم المسائل التي تضعها شركات نشر البرامج في سلم اولوياتها. ولا يمر شهر الا وتطلع علينا احدى مطبوعات الكومبيوتر بإحصاءات وارقام فصلية عن الخسائر التي تتكبدها شركات نشر البرامج من جراء القرصنة.
ومن المعروف ان معظم هذه الشركات لا سيما الكبيرة منها تجمعت لتؤسس ما يعرف بتجمع شركات البرامج التجارية (Buisiness Software Alliance -BSA) ليراقب نشاطات القرصنة ويحاربها. واعترفت معظم دول العالم بهذا التجمع الذي اصبح من القوة بمكان انه يتمكن من الضغط على هذه الدول لسن قوانين تمنع القرصنة وتعاقب مرتكبيها. ورأينا تأثير هذا التجمع، او على الاقل عدد من اعضائه في منطقتنا العربية حيث بدأت تظهر قوانين تعاقب قرصنة البرامج منذ بضعة سنوات. اما في البلاد الغربية، فيتمتع التجمع بقدرة دفع القضاء لكي يقوم بغارة مفاجئة على المؤسسات التي يشتبه باستخدامها برامج كومبيوتر عن غير وجه حق وتوجيه الاتهام لها ومحاكمتها.
ومع ان هدف تجمع شركات البرامج كان ويظل المؤسسات الكبيرة التي تقتني نسخة واحدة من برنامج ما وتقوم بتحميلها في كل اجهزة موظفيها او الشركات والافراد الذين يقومون بنسخ البرامج بكثرة لبيعها بشكل غير شرعي، الا انه نجح في تعميم الشعور بأن نسخ برنامج ما واستخدامه على غير وجه حق يشكل خطيئة مشينة اذا لم يكن جريمة يعاقب عليها القانون. ومع ان الكثير من المستخدمين الفرديين في العالم لا يزال ينسخ بعض التطبيقات لاستخدامه اذا وجد لذلك سبيلاً فإنهم يعرفون ان ما يقومون به يشكل تعدياً على حقوق الملكية الفكرية والتجارية وبالتالي لا يتباهون بما يقومون به على الاطلاق.
ومن المنطقي ان تحاول شركات نشر البرامج حماية مصالحها وحقوقها بمحاربة القرصنة وبإعطاء الاهمية القصوى للملكية التجارية. ولكن من المنطقي ايضاً ان نتوقف ولو مرة واحدة عند مصالح مستخدم هذه البرامج ونعني هنا المستخدم الشرعي الذي يشتري نسخة شرعية من البرنامج ويقوم بتثبيتها في جهاز واحد لاستخدامها، ونتساءل هل حقوق هذا المستخدم ومصالحه محفوظة ام انها مهدورة لأن احداً لم يعطيها الاهمية اللازمة؟
اتتني هذه الخواطر في يوم ممطر لا يسمح بعمل اي شيء. فقررت جمع اتفاقات الترخيص التي تأتي مع البرامج وقراءتها (من الاكيد انني كنت بحال غير طبيعية لأنكب على هذا النوع من القراءة). واشك ان عدداً كبيراً من الناس الذين يقتنون البرامج يتطلعون الى هذه الوثائق التي تكون في العلب مع الادلة والاقراص. وجمعت عينة من اتفاقات الترخيص العائدة لبرامج اكبر شركات الكومبيوتر مثل مايكروسوفت ولوتس وابل وكلاريس وادوبي. ولدى التدقيق فيها وجدت ان حقوق المستخدم ليست محمية الا بالاسم ولا يمكن لهذا المستخدم ان يطال اية شركة كومبيوتر اذا تسبب برنامج هذه الاخيرة بإلحاق الاذى به او تكبيده الخسائر.
واعرض هنا مقتطفات من بعض اتفاقات الترخيص التي تربطها شركات البرامج بتطبيقاتها.
فقد ظهر في اتفاق ترخيص مايكروسوفت التالي (مع رداءة الاسلوب): «تنفي مايكروسوفت مسؤوليتها وكذا مسؤولية مورديها في كافة الاحوال، طبقاً لأقصى حد مسموح به في ظل القانون واجب التطبيق، عن تعويض أية اضرار (بما في ذلك ودون حصر، الاضرار الناشئة عن فوات الكسب، توقف الأعمال، فقد معلومات خاصة بمصالح العمل، او أي خسائر مالية اخرى) ناتجة عن استخدام او عدم امكانية استخدام منتج مايكروسوفت».
اما لوتس، فتوضح ما معناه: «تنفي لوتس اية ضمانة واضحة او ضمنية في ما يتعلق بالبرنامج او ادلة الاستخدام بما في ذلك الجودة والاداء (...)»، وتضيف «(...) لا تتحمل لوتس، بأي شكل من الاشكال مسؤولية الاضرار غير المباشرة التي قد تنتج عن استخدام او عدم امكانية استخدام البرنامج والادلة حتى لو تم ابلاغ لوتس عن هذه الامكانية».
من جهتها تنفي ابل بوضوح: «اية مسؤولية عن اية اضرار مباشرة او غير مباشرة ناتجة عن استخدام او عدم امكانية استخدام المنتج (...)».
وتكتب ادوبي بالحرف الكبير: «لا تتحمل ادوبي في اي شكل من الاشكال مسؤولية اي ضرر يقع بالصدفة او ناتج عن استخدام البرنامج بما في ذلك اية خسارة في الارباح او الادخار حتى لو تم ابلاغ ممثل لأدوبي عن امكان وقوع هكذا اضرار».
واخيراً تعلن كلاريس بأسلوب عربي ضعيف: «ان شركة كلاريس او مطوريها او مديريها او اعضائها او موظفيها او فروعها ليست مسؤولة بأي حال من الاحوال عن التلفات (كذا) المباشرة او الغير مباشرة او المسببة او العرضية الناتجة عن استخدام او عدم القدرة على استخدام هذا البرنامج او المواد المطبوعة المرفقة معه (وذلك يشمل اي خسائر ناتجة عن خسارة في ارباح العمل او فقد بيانات خاصة بالعمل وما الى ذلك)».
يتضح مما سبق ان مستخدم برنامج الكومبيوتر لا يتمتع بأي نوع من الحماية او التعويض في حال تسبب هذا البرنامج بأضرار تصيبه او تصيب عمله. فبمجرد فتح الظرف الذي يحتوي اقراص البرنامج يعلن المستخدم موافقته الكاملة على اتفاق الترخيص المرافق للبرنامج وبالتالي لا يمكنه اللجوء الى المحاكم اذا تسبب هذا البرنامج بإلحاق الضرر فيه. وينتج عن ذلك ان مجرد استخدام برنامج ما في نطاق العمل يشكل مخاطرة لم يقدر المستخدم والمشرّع بعد ابعادها. فعلى سبيل المثال اذا كان برنامج مثل اكسل الذي يعالج الجداول الالكترونية يحوي عيباً ما يتسبب بإنتاج حسابات خاطئة علماً بأن العديد من الشركات تعتمد عليه لتسيير اعمالها، يمكن تصور الاضرار الفادحة التي قد تلحق بهذه الشركات من جراء الحسابات الناتجة عن البرنامج.
هذا والجميع يعرف قصة معالجات بانتيوم الاولى التي سوقتها انتل والتي تحتوي على خطـأ حسابي والاضرار التي سببتها لعدة مراكز ابحاث اعتمدت هذه المعالجات لتنفيذ حساباتها.
وامام هذا الواقع قامت المديرية العامة للمنافسة والاستهلاك وقمع الغش في فرنسا بإبلاغ وكالة المواد التعسفية في العقود عن عقود الترخيص في البرامج التي وصلت الى نتيجة ان هذه العقود تتضارب وحقوق المستهلك. وتبنت هذه الوكالة ثمان توصيات نشرتها في ٢٥ آب الماضي في الجريدة الرسمية الفرنسية.
ونذكر هنا عدد من تلك التوصيات التي صنفت المواد التعسفية في عقود الترخيص:
– فالمواد التي تعفي المهني من واجباته الاستشارية هي مواد تعسفية. وتعني هنا المواد التي تقول ان اختيار البرنامج المناسب هو امر يتعلق بالمستهلك. ومن الواضح ان شراء اي برنامج يتطلب مستوى تقني قد لا يملكه المستخدم مما يفرض على الناشر واجبات استشارية تجاه الزبون. يجب بالتالي على الناشر اعلام المستهلك عن عدم التوافق بين البرنامج الذي يوفره وحاجات هذا المستهلك وعن المشاكل المحتملة لدى تثبيت البرنامج وعن ضرورة الحفاظ على المنتج القديم الى جانب المنتج الجديد على سبيل الحفاظ على خط العودة.
– المواد التي تعفي المهني من من ضمان البرنامج هي مواد تعسفية.
– المواد التي تعفي المهني من مسؤوليته تجاه الاضرار التي يسببها البرنامج او الادلة المطبوعة هي مواد تعسفية.
واقترحت الوكالة ان يكون البرنامج وادلته مطابقة لمقياس محدد يتم وضعه من قبل ناشري البرامج. ولاحظت ان وجود مواد تبعد اية ضمانة واخرى تحد من الضمانات في عقد واحد من شأنها ان تضلل المستهلك في ما يتعلق بالحقوق التي يمنحها له العقد. واوصت الوكالة اخيراً ان يتم حذف المواد التعسفية من عقود الترخيص.
ومع ان هذه التوصيات ليست لها قوة القانون كون الوكالة تتمتع بدور استشاري وحسب، الا ان صدورها في الجريدة الرسمية يمنح جمعيات المستهلكين سلاحاً مهماً اذا رفعت القضية الى المحاكم، لا سيما وان القضاء الفرنسي اعتمد في عدة حالات على توصيات مديرية المنافسة والاستهلاك وقمع الغش ليصدر احكامه.
ويتوقع الكثير من المراقبين في فرنسا ان يضطر ناشرو برامج الكومبيوتر قريباً الى تعديل عقودهم او اقلها النسخات الفرنسية من تلك العقود التي تأتي نصوصها عادة مترجمة بعدة لغات في البرنامج الواحد.
فهل تشكل الظاهرة الفرنسية اول الغيث وتعمد بلدان اخرى الى فرض قوانين حماية المستهلك على ناشري البرامج؟ نتمنى ذلك خاصة في البلدان العربية التي سارعة الى سن قوانين لحماية ناشري البرامج. فمن الطبيعي والعادل ان تلحقها قوانين تحمي المستخدم من تعسف عقود ترخيص هذه البرامج.
