الصفحة الرئيسية > صحيفة الحياة > ويندوز ٩٥: اطلاق تحديث لنظام تشغيل ام فيلم من هوليوود؟
ويندوز ٩٥: اطلاق تحديث لنظام تشغيل ام فيلم من هوليوود؟
السبت ٢ أيلول (سبتمبر) ١٩٩٥, بقلم
واخيراً تم اطلاق ويندوز ٩٥ بسلام. بعد الحملات الاعلانية الشعواء التي اقضت مضاجعنا خلال السنتين الماضيتين، كنت خائف من ان اطلاق ويندوز ٩٥ في موعده (او بالاحرى اخر موعد حدد له) قد يؤدي الى سكتات قلبية جماعية من مشاعر الفرح والبهجة التي يتوجب على كل منا ابداؤها.
ولم يوفر الاخ الاكبر بيل غيتس جهوده ليجعل من اطلاق ويندوز ٩٥ مهرجاناً عالمياً لا ينحصر حضوره بمستخدمي الكومبيوتر بل يتعداهم ليفرض نفسه علي جميع الناس مهما كانت اهتماماتهم.
واوضح دليل على هذه الرغبة في فرض ويندوز ٩٥ على الجميع هو المبلغ الذي خصصته مايكروسوفت لهذا المهرجان في ٢٤ آب والذي بلغ ٢٠٠ مليون دولار على اقل تقدير فضلاً عن دفع مبلغ ٤ ملايين دولار لفرقة رولينغ ستونز الموسيقية لاستخدام احدى اغنياتها لمرافقة المهرجان. وادت هذه الحملة الى دخول اعلان ويندوز ٩٥ النشرات الاخبارية العادية في معظم البلدان الاوروبية فضلاً عن الولايات المتحدة، ومن المعروف ان هذه النشرات لا تتعاطى شؤون برامج الكومبيوتر. غير انها هذه المرة افردت حيزاً مهماً من وقتها للحديث ليس فقط عن مهرجان الاطلاق بل ايضاً عن النظام الجديد وميزاته وكيفية عمله. وهكذا عرف من لا يهمه ويندوز كيف ان هذا النظام سوف يدخل حياته عنوة ويجلب معه بيل غيتس الذي لم تتوقف النشرات الاخبارية بوصفه انه اغنى رجل في العالم.
اما الذين يستخدمون الكومبيوتر، فلا تسأل عن الحالة الهستيرية التي كانوا بها بين ليل ٢٣ ونهار ٢٤ آب، اقله في الولايات المتحدة. واذا تساءلنا في السابق عن هدف الحملة الاعلانية الطويلة التي قامت بها مايكروسوفت لتسويق ويندوز ٩٥، فيظهر هذا الهدف جلياً من تصرفات الناس الذين تهافتوا على المنتج كما لو انه اكسير يعيد الشباب.
فقد عمدت محلات بيع برامج الكومبيوتر في اميركا الى فتح ابوابها قبل منتصف ليل الاربعاء -الخميس (٢٣ و٢٤ آب) لتتمكن من البدء ببيع النظام الجديد في منتصف الليل تماماً اي في اللحظة التي يبدأ فيها نهار ٢٤ من الشهر. وبالطبع تدافع الناس بشدة ليكونون اول من يقتني ويندوز ٩٥ وقال احد المتدافعين انه يريد ان يكون اول من يشتري النظام في الحي الذي يسكن فيه. اما آخر فقد كشف عن شوقه للحصول على النظام والذي كان يقضّ مضجعه منذ اكثر من سنة. وهكذا تتالت ردات الفعل لتظهر مع الاسف ان حملة غسل الدماغ نجحت واقتيد الناس مثل القطيع الى هذا المهرجان الاستهلاكي رغم كون معظمهم لا يعرفون لماذا يحتاجون ويندوز ٩٥ عندما كانوا يكتفون حتى الآن بويندوز ٣٫١ او بأنظمة اخرى. ومع عدم توافر بعد عدد كاف من تطبيقات ٣٢ بت سيضطرون لتشغيل تطبيقات ١٦ بت على النظام الجديد، وقد برهنت بعض التجارب ان اداءها ابطأ على ويندوز ٩٥ منه على ويندوز ٣٫١ او ويندوز لمجموعات العمل. ويبدو بعد هذه التجربة انه عندما نتكلم عن الاقتصاد الحر نعني ان الاقتصاد هو وحده الحر وليس الانسان الذي عليه واجب تغذية هذا الاقتصاد مهما كلفه الامر.

فعندما تتكلم النشرات الاخبارية ومطبوعات الكومبيوتر عن المحطة التاريخية الرابعة في عالم الكومبيوتر (الاولى هي اختراع المعالج الصغير سنة ١٩٧٣ والثانية اطلاق الكومبيوتر الشخصي سنة ١٩٨١ والثالثة اطلاق ماكنتوش سنة ١٩٨٤) التي يشكلها ويندوز ٩٥ مع انه لا يعدو كونه تحديث طبيعي لويندوز ٣٫١ يشعر المستمع او المشاهد انه اذا لم يهرع لاقتنائه سوف يضع نفسه خارج ركب التاريخ ويستقيل من الحياة العصرية.
والآن وقد مضى هذا اليوم (٢٤ آب) على خير او كاد، فمن المنتظر ان نشهد هذا المهرجان تباعاً مع جولة بيل غيتس حول العالم. فمن مدينة سياتل في ٢٤ آب الى فرنسا في ٤ ايلول الى المانيا في السادس منه، تم تنظيم هذه الجولة مثل جولات نجم من هوليوود لدى ظهور فيلم جديد. حتى موظفو مايكروسوفت يعتقدون ان غيتس يبالغ، فقد قال احد موظفي الشركة لمجلة بيزنيس ويك: انه برنامج كومبيوتر لا يشفي من السرطان ولا يداوي الصلع، انه فقط ويندوز.
والحال فقد قرأنا كل التعليقات على ميزات ويندوز ٩٥ في المجلات غير المتخصصة التي يبدو ان هدفها هو اقناع القارئ بشراء هذا النظام، وكانت كل الميزات التي تطبل لها وتزمر هي نفسها الموجودة في نظام تشغيل ماكنتوش. ودون الاكثار في مدح هذا الاخير، فمن اضعف الايمان ان تتكون البيئة التخطيطية من هذه الازرار والايقونات التي يكتشفونها في ويندوز ٩٥ العتيد.
اذاً ويندوز ٩٥ لم يخترع شيء جديد في ما يتعلق باسلوب التعامل مع المستخدم وبالربط والتشغيل (plug and play)، كل ما في الامر انه يقرّب الكومبيوتر الشخصي من ماكنتوش.
لماذا اذاً كل هذا النجاح؟ لأن مايكروسوفت تعرف كيف تجعل لعاب الجمهور يسيل وتعرف ايضاً كيف تبيع ثم تبيع ثم تبيع. ولم يكن بيل غيتس ابداً مطور برامج وانظمة (حتى ايام بيسيك ودوس) بل كان دائماً خبير في التسويق. فقد تم ببيع ٤٠٠ الف نسخة بيتا من ويندوز ٩٥ واحتل هذا النظام واخطائه وتأخير اطلاقه العناوين الرئيسية في الصحف. وعندما اصبح شبه جاهز تهافت عليه مصنعوا الاجهزة علهم بواسطته يضاعفون مبيعاتهم حتى نهاية السنة.
هل يتردد البعض في شرائه؟ فمن آخر شهر آب سوف تتدفق الحملات الاعلانية المترافقة بأغنية فرقة رولينغ ستونز التي تعتبر منذ الآن اغلى موسيقى تم استخدامها في الاعلانات.
من الطبيعي انني كمستخدم كومبيوتر شخصي ونظام ويندوز ٣٫١ سوف ارتقي الى ويندوز ٩٥ ولكن بهدوء وعندما تقضي الحاجة اي عندما تتوافر التطبيقات الداعمة له والعاملة بهندسة ٣٢ بت. هذا اذا كنت حقاً بحاجة الى تطبيقات ٣٢ بت التي تتميز بسرعة اكبر من تطبيقات ١٦ بت وتستغل كل امكانات الجهاز وتوفر المتانة والسلامة في الاستخدام.
وعندما ارتقي الى ويندوز ٩٥ قد اشعر بالسرور من تحسين البيئة التخطيطية واسلوب التعامل مع المستخدم (مع انني لن اندهش كوني مستخدم ماكنتوش ايضاً)، ولكن لن اجعل من هذا الارتقاء عيد وطني ولن اهتف واهلل لبيل غيتس المخترع العظيم الذي لوالاه لكانت حياتنا معدومة المعنى.
فمن الطبيعي عندما يريد المستخدم بيئة تخطيطية محسنة ان يسلك طريق الارتقاء من ويندوز ٣ الى ويندوز ٣٫١ الى ويندوز ٩٥ دون ان يسجل له احد انه ساهم في حركة التاريخ.
والى ان اقرر الارتقاء الى ويندوز ٩٥ سأظل من المترددين على الاقل لأتكد من ان النظام الجديد خال تماماً من الاخطاء المهمة.
في جميع الاحوال، من الطبيعي ان تفعل مايكروسوفت ما بوسعها لتسويق الاصدار الاخير من نظامها لأن المعركة في عالم الكومبيوتر اليوم اصبحت معركة مصير. فالهدف التي وضعته شركات الكومبيوتر الكبرى نصب اعينها واضح وهو من سيتحكم بالمائة مليون كومبيوتر في العالم سنة ٢٠٠٠؟
