الصفحة الرئيسية > مجلة أبل في العالم العربي > المجلد الثالث - العدد الخامس والعشرين - تشرين الأول (أكتوبر) ١٩٩٣ > يوهان فون نومان: مهندس الكمبيوتر الحديث

يوهان فون نومان: مهندس الكمبيوتر الحديث

بقلم جورج قندلفت

لا شك أن كثيرين ممن يجهلون تصميم الكمبيوتر سمعوا عن «هندسة فون نومان» التي يأتي ذكرها عادة لدى الكلام عن المسائل المعقدة والحاجة إلى نظرية أفضل لجعل الكمبيوتر يعمل بشكل أفضل.

يكثر الكلام بين مهندسي أجهزة الكمبيوتر عن الحاجة إلى وضع نظريات جديدة حول تصميم هذه الأجهزة تكون أفضل مما أطلق عليها إسم «هندسة فون نومان». وقد يعتقد البعض، لدى سماع هذا الكلام أن يوهان فون نومان (Johann Von Neumann)، واضع هذه الهندسة كان مخطئاً كلياً. ولكن في الواقع، لم يأتي أحد حتى الآن بأسلوب أكثر قبولاً لتنظيم أجهزة الكمبيوتر.

ولم يكتف فون نومان بوضع أكثر النظريات واقعية حول تنظيم الكمبيوتر الحديث، بل كان أيضاً الرائد في ابتكار العديد من الأفكار المتعلقة بالذكاء الصناعي ونظرية الألعاب والكثير من الجوانب البيولوجية المتعلقة بالكمبيوتر.

ولد فون نومان في بودابشت في المجر سنة ١٩٠٣. وكان دائم الاهتمام بالعلوم، ودرس الكيمياء ثم الرياضيات في جامعات برلين وبودابشت، كما حاضر في عدد من الجامعات الألمانية قبل أن ينتقل إلى جامعة برنستون في الولايات المتحدة الأميركية بموجب عقد لسنة واحدة كمحاضر زائر سنة ١٩٣٠. وبعد وصوله إلى الولايات المتحدة، قرر البقاء وحصل على الجنسية الأميركية.

ومع أنه، خلال العشرينات والثلاثينات إنكب على الأبحاث في الرياضيات النظرية إلا أن ذلك كان الطريق الأسهل للانتقال إلى علوم الكمبيوتر، وهو حقل لم يكن موجوداً في تلك الأيام.

كان فون نومان مهتماً بعلوم المنطق والعشوائيات، وكان كذلك هو نفسه الذي أعاد صياغة رياضيات ميكانيكا الكمّ (quantum mechanics) كما نعرفها اليوم.

وحتى لو لم يساهم فون نومان في علوم الكمبيوتر، فقد عرفه الجميع من خلال دراسته للعبة البوكر. وفي سنة ١٩٢٨ بدأ بدراسة نظرية الألعاب التي تم نشرها بشكل أكثر تفصيلاً في كتاب أوسكار مورجنسترن الصادر سنة ١٩٤٥.

ولا تتطرق نظرية الألعاب إلى ألعاب المنطق والتحليل مثل الشطرنج، بل إلى الألعاب حيث يمثل العنصر النفسي للإنسان عاملاً مهماً كلعبة البوكر مثلاً وحيث الخداع (bluff) لا يكون دائماً منطقياً ولكنه غالباً ما ينجح.

وشكلت نظرية فون نومان حول هذا النوع من الألعاب، الخطوة الأولى في تحليل التصرف البشري المعقد. وكان هدف فون نومان مزدوجاً من وراء هذه الأبحاث وهو فهم أعمق للتصرف البشري من جهة، ومن جهة أخرى محاولة أتمتة هذا التصرف في حال وجود أجهزة تشبه الكمبيوتر لتنفيذ ذلك.

وفي ما بعد، تم اعتماد نظرية الألعاب من قبل علوم متنوعة مثل علم النفس والإقتصاد والذكاء الصناعي والعلوم الإجتماعية.

وحتى لو لم ينتج فون نومان غير هذه النظرية، فكان ذلك كافياً لإطلاق شهرته واعتباره من أهم الباحثين في هذا القرن.

غير أنه، بعد ذلك، أخذ يبدي اهتمامه بمسائل الرياضيات التطبيقية. وقد تكون تهديدات الحرب العالمية الثانية التي كانت على الأبواب هي التي دفعته إلى الخروج من الحقول النظرية. وفي سنة ١٩٤٣ كان معظم وقته منصباً على الأبحاث العسكرية والدفاعية بعد أن انضم إلى مشروع مانهاتن في مركز أبحاث لوس ألاموس.

وكان هذا المشروع سري للغاية ويهدف لبناء القنبلة الذرية. ومع أن فون نومان لم يكن متخصصاً بالفيزياء، إلا أن خبرته في الرياضيات كانت ضرورية لحل مسائل انشطار الذرة. ودفعته أبحاثه السابقة حول العشوائيات إلى وضع أساليب تجريبية تعطي الأجوبة على الأسئلة التي كان الكل يطرحها. ولكن العائق الوحيد أمام توفير هذه الأجوبة كان ضرورة تنفيذ الكثير من العمليات الحسابية البسيطة ولكن بسرعة فائقة.

في ذلك الوقت، كان الباحثان إكرت وموشلي (سنتكلم عنهما في حلقة لاحقة) على وشك الانتهاء من بناء «إنياك» (Electronic Numerical Integrator and Computer -ENIAC) وهو أول جهاز كمبيوتر متعدد المهام يمكن برمجته. وكان ذلك في مدرسة مور للهندسة الكهربائية في ولاية بنسلفانيا. غير أن نظام التشغيل الذي كانا يستخدمانه لم يكن يتيح إعادة برمجة الجهاز بسهولة. وكانت لا تزال عملية برمجة هذا الكمبيوتر شبيهة بتمرين ميكانيكي (نسبة إلى الأجهزة) وليس برمجي (نسبة إلى كتابة الأوامر البرمجية)، وكان يتطلب تغيير خريطة الأسلاك الكهربائية داخل الجهاز باستخدام المقابس ووصلات العبور (jumpers). غير أن هذا الأمر لم يكن غريباً لأن الذين بنوا الكمبيوتر كانوا مهندسي أجهزة وكانت هذه الطريقة تشكل عملهم الطبيعي.

وكان من الممكن أن تبقى أجهزة الكمبيوتر على هذا الشكل حتى يومنا هذا لولا حصول لقاء من النوع المصادف الذي يغير مجرى التاريخ. فقد التقى فون نومان صدفة بأحد أعضاء فريق بناء «إنياك»، وهو هيرمان غولدستين، بينما كان ينتظر أحد القطارات. وبما أن الإثنان كانا يعملان على مشاريع ذات طابع سري، ومرخص لهما الاطلاع على المشاريع السرية، فقد تكلم كل منهما عن عمله، وعرف فون نومان كل شيء عن «إنياك». ولكن جاء ذلك متأخراً لاستخدام الجهاز لتنفيذ العمليات الحسابية الضرورية لبناء القنبلة الذرية لأنه كان قد تم تفجيرها قبل سنتين من بدء «إنياك» بالعمل. غير أن مفهوم القوة التي يتمتع بها كمبيوتر إلكتروني وجد طريقه إلى إدراك فون نومان وأصبح مهتماً إلى درجة كبيرة بهذا الموضوع. ومن الأسباب التي دفعته للاهتمام بجهاز الكمبيوتر، ضرورة تنفيذ العمليات الحسابية المتعلقة بالقنبلة الهيدروجينية التي كان العمل بها على وشك الانتهاء. ولكن مقارنة بعدد التطبيقات الغير العسكرية للكمبيوتر الذي نتج عن تأملات فون نومان، يمكن القول أن مسائل القنبلة الهيدروجينية لم تكن من الأولويات في سلم إهتماماته.

وكانت النتيجة العملية للقاء المصادف في القطار، تعيين فون نومان كمستشار أخصائي لفريق مدرسة مور الذي كان قد بدأ بتصميم جهازه الثاني، «إدفاك» (Electonic Discrete-Variable Automatic Computer).

وأيقن فون نومان أن المشكلة الأساسية في جهاز «إنياك» تكمن في بطء إعادة برمجته. فبالرغم من الجهد الذي كان يحتاجه نظام البرامج داخله، لم يكن من الممكن بناء نظام من البرامج المترابطة. فيبدو من الطبيعي اليوم أن نظام التشغيل والبرامج التطبيقية التي تعمل داخل جهاز الكمبيوتر هي الأساس في ما ينتجه هذا الجهاز، ولكن في تلك الأيام، لم يكن يوجد أمام المستخدم إلا أجهزة.

يوهان فون نومان أمام جهاز الكمبيوتر التابع لمعهد العلوم العالية في جامعة برنستون.
Photographer Alan Richards, Courtesy of the Archives, Institute for Advanced Study.

واتضح لفون نومان أن البرامج التطبيقية لا تختلف عن البيانات وأن الذاكرة نفسها التي تقوم بتخزين البيانات المطلوب معالجتها يمكن استخدامها لتخزين التطبيقات التي تتحكم بهذه المعالجة. ومن هذه النظرة الموحدة للبرمجيات تم إنتاج الكمبيوتر الذي يخزن التطبيقات وظهرت عبارة «هندسة فون نومان» للمرة الأولى.

وبدلاً من تخزين البرامج على شكل وصلات ميكانيكية يمكن ربطها وحلها باستخدام الكابلات والمقابس، وجد فون نومان أنه يمكن تخزين هذه البرامج في ذاكرة الكمبيوتر وجعلها تتحكم بالبروسسور بدفعه إلى البحث عن تعليماته في الذاكرة بالطريقة نفسها التي يبحث بها عن البيانات.

بالطبع لم يكن من السهل وضع فكرة فون نومان موضع التنفيذ لأن تخزين التطبيق في الذاكرة نفسها التي تحتوي على البيانات كان يتطلب زيادة حجم هذه الذاكرة بشكل كبير. لهذا السبب لم يكن «إدفاك» أول كمبيوتر يخزن التطبيقات بل جهاز إسمه «مارك ١» (Mark I) تم بناؤه في مانشستر في بريطانيا، وذلك لأن مصمميه كانوا قد اكتشفوا طريقة لبناء ذاكرة لا تستخدم الصمامات. ومع أن فون نومان إشترك شخصياً في بناء جهازي كمبيوتر كبيرين على الأقل (أطلق عليهما «جونياك» و«منياك»)، إلا أن أهم ما قدمه لصناعة الكمبيوتر يبقى فكرة تخزين التطبيقات مع البيانات.

وتبدو أجهزة الكمبيوتر التي تخزن التطبيقات طبيعية اليوم، إلى درجة يصعب معها تصور طريقة أداء أخرى. ولكن قبل معرفة كيفية عمل الكمبيوتر، لا تبدو الفكرة بهذه البداهة. فعندما يتم تعليم طلاب العلوم المعلوماتية لغة برمجة معينة مثل «باسيك» مثلاً، غالباً ما يصلون إلى مرحلة يسألون فيها أين يتم تخزين البرنامج. وعندما يقال لهم أنه يخزّن مع البيانات، يعتريهم القلق حول كيفية فصل البرامج عن البيانات. فبنظرهم لا يبدو من الطبيعي تخزين شيئين مختلفين كلياً جنباً إلى جنب.

ليس من المؤكد أن يكون فون نومان هو أول من جاء بالفكرة (الأرجح أنه تباحث مع تورينغ في الإجتماعات العالية المستوى التي كانت تحصل خلال الحرب العالمية الثانية)، ولكنها تشكل نموذجاً للأفكار التي كان يعمل عليها.

أما اليوم، فإننا نبذل جهدنا لوضع أساليب تتخطى هندسة فون نومان البسيطة والسلسة، لأن هذه الهندسة تفرض على الكمبيوتر جلب البيانات التي يجب معالجتها والأوامر التي يجب تنفيذها من الذاكرة نفسها مما يؤدي إلى إبطاء الأداء. والحل الوحيد المعقول هنا هو تصميم أجهزة كمبيوتر متوازية أي يمكنها تنفيذ أكثر من مجموعة (stream) أوامر واحدة ومعالجة أكثر من مجموعة بيانات واحدة في وقت واحد. وأقرب محاولة للوصول إلى هذا النوع من الأجهزة اليوم، هي بناء معالج «باور بي.سي.» من قبل «آي.بي.إم.» و«أپل» و«موتورولا» والمعتمد على هندسة «باور» (Performance Optimized With Enhanced RISC) من «آي.بي.إم.». وتم بناء تقنية «باور» بهندسة ٦٤ بت لتتمكن من استغلال عملية توزيع مجموعات الأوامر إلى وحدات تنفيذ مختلفة.

ولكن نعود إلى فون نومان الذي كان يتمتع بقدرة فائقة على الإتيان بأفكار جيدة. فمع مرور الأيام، إزداد تعلقه بأجهزة الكمبيوتر التي يمكنها معالجة واستكشاف أمور تتعلق بطبيعة العالم المادي. ولكن المؤسف هو أن فون نومان لم يعمر طويلاً لاستغلال جميع الأفكار التي وضعها.

فقد انكب فون نومان على تصميم نموذج بيولوجي لأداء الكمبيوتر معتمداً على طريقة عمل دماغ الإنسان، ووضع نظرية حول عصبة صناعية (biological neuron) أظهرت كيف يمكن لشبكة مكونة من عناصر غير موثوق يها أن توفر معالجة موثوق بها.

قد يكون أكثر المواضيع التي عمل عليها فون نومان تشويقاً موضوع البرنامج ذاتي التوالد الذي فكر به. ويمكن إختصار هذا الموضوع بالمسألة التالية: كتابة برنامج يمكنه أن يكرر نفسه بالكامل دون الاستعانة ببرنامج آخر. ولم يكتفي فون نومان بالتفكير في هذه المسألة بل نجح في إظهار أن برنامج كهذا ممكن جداً قدم براهين على كيفية بنائه. وذهب أبعد من ذلك، إذ قام ببحث تأثير التغيرات العضوية على أداء هذا البرنامج. وانتظرت صناعة الكمبيوتر حتى يومنا هذا لتبدأ بالاهتمام بمسائل التوالد الذاتي والبيولوجيا الآلية التي استشعرها فون نومان في الخمسينات.

ومن الأكيد أنه كان بإمكان فون نومان التعمق في هذا الموضوع لولا اضطراره إلى التوقف عن العمل بسبب إصابته بسرطان في العظم سنة ١٩٥٥ مما أدى إلى وفاته سنة ١٩٥٧. واعتقد الكثيرون، ولا يزالون، أن سبب إصابته يعود إلى عمله في مشروع مانهاتن وتأثره بالإشعاعات النووية، مع أنه لا يوجد أي دليل أكيد على ذلك.


بطاقة هوية:

الإسم: يوهان فون نومان
تاريخ الولادة: ١٩٠٣
تاريخ الوفاة: ١٩٥٧
البلد: المجر ثم الولايات المتحدة
الإختصاص: نظريات حول الأجهزة والبرامج والذكاء الصناعي
النظرية: هندسة فون نومان
المنتجات: غير موجود
الشركات: غير موجود

صالة العرض

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.