الصفحة الرئيسية > مجلة أبل في العالم العربي > المجلد الثالث - العدد الثالث والعشرين - تموز/آب ١٩٩٣ > شارلز باباج: هل يعتبر أب الكمبيوتر ؟
شارلز باباج: هل يعتبر أب الكمبيوتر ؟
بقلم
نتكلم في هذه الحلقة عن شارلز باباج وآلة التحليل التي صممها ولم يبنها بكاملها. ورغم كون هذه الآلة لا تعتمد على الشرائح الإلكترونية كالكمبيوترات العصرية، إلا أنها تعتبر جهاز كمبيوتر حقيقي. فمن قال أن الكمبيوتر يجب أن يعتمد على الإلكترونيات ؟
ولد شارلز باباج (Charles Babbage) في منطقة ساري قرب لندن في بريطانيا، سنة ١٧٩١، وكان والده مصرفياً. وقد تكون مهنة أبيه هي التي كانت وراء ولعه بالأرقام أياً كان نوعها ومصدرها مما دفعه لإشغال كرسي لوكاس للرياضيات في جامعة كامبريدج من سنة ١٨٢٨ إلى سنة ١٨٣٩. ولكن لا بمكن حصر صفة باباج بكونه أخصائي رياضيات، فبالنظر إلى إهتماماته العديدة والمختلفة يمكن وصفه بتعدد المواهب العلمية.
كان علم الرياضيات، أيام باباج، يوفر نتائج نظرية أكثر بكثير من إنجازاته العملية. وكان ذلك عائداً إلى المصاعب الهائلة الناتجة عن العمليات الحسابية التي كان يجب إتمامها لحل المسائل الرقمية مثل حساب التوقعات وطرق الملاحة ومخاطر التأمين على الحياة.
ومع أن اليوم، أصبح من الشائع بدء أية عملية حساب من البداية دون الإعتماد على ما تم حسابه سابقاً، كانت الجداول الرياضية المختلفة (مثل جداول اللوغاريتم وغيرها) شائعة الإستخدام منذ فترة لا تتعدى العقود القليلة. وكانت الطريقة الوحيدة لإنتاج هذه الجداول، يدوية وصعبة ومعرضة للأخطاء.
وكان الحل الوحيد لهذه المشكلة هو تطوير آلات حسابية مساعدة، غير أنه قبل تطور العلوم الكهربائية كان بناء آلات كهذه متعذراً.
لقد عرف تاريخ العلوم آلات حاسبة ميكانيكية قبل مجيء باباج. ولعل أشهر آلة في هذا المجال كانت آلة الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي بليز باسكال التي تم تطويرها سنة ١٦٤٢ والتي كانت عبارة عن مجموعة من العجلات المسننة.
ولم تكن الآلات الحسابية هذه قوية ولا موثوق بها، ولكنها أظهرت أنه من المعقول القيام بعمليات الجمع والطرح من خلال إستخدام العجلات المسننة التي تنفذ عمليات العد التصاعدية والتنازلية (ومن المعلوم أن عملية الضرب هي عمليات جمع متتالية وعملية القسمة هي عمليات طرح متتالية). غير أن باباج لم يطور آلات حاسبة أفضل من سابقاتها، بل قام ببناء آلة تنفذ عمليات حسابية من نوع معين وهو بناء الجداول الرياضية.
ويمكن إختصار عملية إنتاج الجداول الرياضية إلى تقييم معادلة متعددة الحدود (polynomial) مناسبة. والمعادلة متعددة الحدود هي معادلة تحتوي على قوات متتالية من قيمة معينة، فالمعادلة ٥س٤+٢س٣+٦س٢+٩س+٤ هي معادلة متعددة الحدود من المستوى الرابع وهو أكبر قوة تحتويها. وباختيار القوة والمعامل المناسبين، يمكن جعل معادلة معينة تلائم معظم الدالات بقدر معقول من الدقة. ويعني ذلك أنه من الممكن إنشاء جدول ما بإيجاد معادلة متعددة الحدود تلائم الدالة الضرورية للجدول ومن ثم إدراج جميع القيم التي تأخذها المعادلة في الجدول.
ولكن هذه الطريقة تتطلب أعداداً هائلة من عمليات الضرب والجمع وربما حياة إنسان كاملة لإتمامها. غير أن المعادلات متعددة الحدود تملك ميزة رياضية تأخذ كل أهميتها هنا. فإذا اعتبرنا مثلاً المعادلة البسيطة س٣. وإذا أنشأنا جدولاً من هذه المعادلة يشمل القيم من ١ إلى ن، ثم حسبنا الفرق بين كل قيمة وتلك التي تليها، تسمّى النتيجة الفرق الأول. ولدى حساب الفرق بين كل قيمة والتي تليها في عمود الفرق الأول، نحصل على عمود قيم الفرق الثاني وهكذا دواليك. وإذا طبقنا هذه العمليات على س٣، نحصل على الجدول المرفق. لاحظ أن نتائج الفرق الثالث ثابتة دائماً مما يعني أن الفرق الرابع وكل الذي يليه تساوي صفر.
الفروق المتتالية لدالة س٣
| س | س٣ | الفرق الأول | الفرق الثاني | الفرق الثالث |
|---|---|---|---|---|
| ٠ | ٠ | ١ | ٦ | ٦ |
| ١ | ١ | ٧ | ١٢ | ٦ |
| ٢ | ٨ | ١٩ | ١٨ | ٦ |
| ٣ | ٢٧ | ٣٧ | ٢٤ | ٦ |
| ٤ | ٦٤ | ٦١ | ٣٠ | ... |
| ٥ | ١٢٥ | ٩١ | ... | |
| ٦ | ٢١٦ | ... |
هذه النتيجة ليست صدفة، فإذا أخذت معادلة متعددة الحدود من قوة ن، تختفي الفروقات من درجة ن+١ وأعلى كلها.
ولكن أين تكمن أهمية هذه النتيجة؟
إن المثال التالي سيبرز هذه الأهمية: لنفترض أننا نريد حساب قيمة ٧ ٣ من غير أن نستعين بالحاسبة وذلك لتكملة الجدول المرفق. يمكننا ضرب ٧ بنفسها ثلاثة مرات ولكننا نعرف أن الفرق الثالث يساوي ٦، وإذا جمعنا هذه القيمة إلى ٣٠ وهي القيمة المناسبة في الفرق الثاني نحصل على القيمة التالية في هذا الفرق وهي ٣٦، وبجمع هذه القيمة إلى ٩١ نحصل على القيمة التالية لها في الفرق الأول، ثم نجمع ذلك إلى نتيجة ٦ ٣ أي ٢١٦ لنحصل على الجواب أي ٣٤٣. ونكون بذلك قد وصلنا إلى النتيجة بتنفيذ ثلاث عمليات جمع!

وتتعمم هذه الطريقة إلى أية معادلة متعددة الحدود ومن أية درجة. وكل ما تحتاج إليه هو الإستنتاج من عدد معبن من النتائج، عدد من الفروقات يعادلها ناقص ١، ومن ثم يمكنك حساب كل القيم التالية بتنفيذ عمليات جمع بسيطة.
ومن الواضح أن هذه الطريقة تناسب كثيراً عمل الآلة وتناسب بشكل أخص آلة ميكانيكية. وكل ما عليك القيام به، هو بناء آلية جمع وتشغيلها لكل عملية جمع فرق تحتاجها. ففي بداية عملية الحساب، تضبط عجلات الآلة المرقمة على قيم الفروقات، ثم ما عليك إلا أن تدير المقبض لتحصل على النتيجة التالية ومجموعة الفروقات التالية. ويمكن بناء جدول كامل ومعقد بإدارة المقبض تباعاً وحسب.
إذا صبر القارئ من دون ملل حتى نهاية هذا الشرح يكون قد تعرف على آلة الفرق (Difference Engine) التي صممها شارلز باباج سنة ١٨٢٢، والتي بنى منها نموذجاً مصغراً أطلق عليه إسم آلة الفرق رقم صفر مما جلب له المساعدات المالية لبناء آلة الفرق رقم ١. وحاول باباج بناء هذه الآلة بمساعدة حرفي ومصمم أدوات عصبي المزاج هو جوزيف كليمانت. ولكي ينجح في ذلك، كان عليه تصنيع الأجزاء المعدنية بدقة لا يسمح بها تطور التكنولوجيا في ذلك الزمان.
وكان باباج ميكانيكياً ماهراً، وقد استخدم مخرطة وبنى بنفسه العديد من القطع التجريبية ودرس الوسائل التصنيعية المتاحة لمعرفة ما إذا كانت إحداها مناسبة لتصنيع أعداد كبيرة من الأجزاء الدقيقة التي تحتاجها الآلة.
وقام باباج باختراع لغة تصميم جديدة لسلاسل العجلات والوصلات الضرورية للآلة، مما مكنه من تحسين تصاميمه لإلغاء الأجزاء المتكررة وخفض عدد الأجزاء المتحركة.
ولو تم الإنتهاء من بناء آلة الفرق رقم ١، لبلغت أبعادها ٢٫٤ متر إرتفاع و٢٫١ متر طول و٠٫٩ متر عرض ولاحتوت على أكثر من ٢٥ ألف قطعة ولبلغ وزنها عدة أطنان. ولم يكتمل بناء هذه الآلة أبداً لأسباب تبدو واهية اليوم، أهمها عراك بين باباج وكليمانت لرفض الأول تعويض الثاني عن إضطراره لنقل مشغله إلى جوار باباج سنة ١٨٣٣.
ولكن بعد عشر سنوات من العمل على تطوير هذه الآلة، كان من غير المعقول أن ينتهي الأمر من دون نتائج ملموسة. فقد تم بناء جزء من الآلة سنة ١٨٣٣، يحتوي على ٢٠٠٠ قطعة ويبرهن أن تحقيق هذا المشروع كان معقولاً.
إننا نتكلم عن باباج وآلته هنا لأن هذه الآلة كانت تعتبر نصف كمبيوتر، كونها توفر نوعاً من المعالجة تتعدى العمليات الحسابية الأربع الأساسية. ويمكن تشبيه هذه الآلة بأجهزة الكمبيوتر التي راجت في منتصف هذا القرن والتي كانت مزودة بوظائف معالجة مدمجة في مكوناتها بدلاً من اعتمادها البرمجيات الحديثة. وقد برهن باباج في القرن التاسع عشر أنه يمكن تعميم فكرة آلته لتشمل أجهزة يمكن برمجتها.
وبالعودة إلى آلة الفرق، فحتى قبل التخلي عن بنائها، أحرز باباج تطوراً مهماً على طريق تصميم آلة ثانية، أطلق عليها إسم «آلة التحليل» (Analytical Engine). وشكلت هذه الآلة جهاز كمبيوتر حقيقياً في المعنى العصري للكلمة، إذ كانت مزودة بذاكرة تتيح لها تخزين ما بين ١٠٠ و١٠٠٠ قيمة (حسب حجمها) كل منها قد تصل إلى ٤٠ رقماً. قد يبدو ذلك أكثر مما تتحمله آلة ميكانيكية، إلا أنه ثبت أن استخدام ما هو ميكانيكي في ما يتعلق بالذاكرة، كان أسهل من إستخدام الصمامات التي زودت بها الكمبيوترات الأولى.
فكل قيمة كانت مخزنة على شكل رزمة من العجلات المرقمة (تكمن أفضليتها بالنسبة للصمامات بكونها لا تحترق). وكانت الرزمة متصلة بوحدة جمع بواسطة قضبان ومسننات تنقل القيمة من العجلات إلى وحدة الجمع.
وكان يتم التحكم بآلة التحليل عن طريق البطاقات المثقوبة حيث كان يسمح وجود الثقوب بمرور القضبان وغيابها يمنعه. وكانت رزمة من هذه البطاقات تتحكم بالعملية الحسابية المطلوبة، بينما كانت رزمة أخرى تتحكم بمكان العثور على عناصر العملية ومكان تخزين النتيجة. وكان يجب على البطاقات أن تدخل في الآلة أزواجاً (بطاقة من كل رزمة) مدشنة بذلك تقليد الزوج «العملية - العنوان في الذاكرة» المتبعة خصوصاً في لغة برمجة أسمبلي المنخفضة المستوى (القريبة إلى الجهاز) والتي لا تزال مستخدمة في الكمبيوترات الحديثة.

وتم تجهيز «آلة التحليل» بطابعة كوسيلة إخراج. ولو تم بناء هذه الآلة فعلياً، لكانت أثبتت أن علوم الكمبيوتر بدأت قبل القرن الحالي. ولا شك أن تعرضها لآلة التحليل، دفع بآدا كونتيسة لافليس إلى اعتبار نفسها أول مبرمجة في التاريخ (سنتكلم عنها في الحلقة المقبلة).
وكانت آلة التحليل كبيرة إلى درجة أنها، لو تم بناؤها لاحتاج مقبضها إلى محرك بخاري لإدارته.
وبالطبع لم يتم بناء هذه الآلة أبداً، لكن جزءاً صغيراً منها تم تصنيعه سنة ١٨٧١ قبل وفاة باباج بقليل، كما قام إبنه ببناء جزء آخر سنة ١٩١٠ وكان هذان الجزءان كافيان لإظهار مبدأ عمل الآلة.
ولم تتوقف تصميمات باباج عند هذا الحد، فبعد آلة التحليل، وآلة الفرق رقم ١، قام بتصميم آلة الفرق رقم ٢ التي لم يتم بناؤها خلال حياته هي الأخرى. غير أنها بنيت حديثاً كنتيجة لخرائطه وهي الان معروضة في متحف العلوم في لندن. وقد تم بناؤها للإحتفال بالمئوية الثانية لباباج سنة ١٩٩١. ومن المؤسف أن مهندسي المتحف لم يبنوا آلة التحليل، ولكن آلة الفرق رقم ٢ تظهر مهارة باباج وخبرته.
ولا شك أن آمال باباج خابت كثيراً لعدم تمكنه من بناء نماذج حية من تصاميمه، وقد يعود ذلك إلى قلة الدعم الذي حصل عليه. فبعد آخر مبلغ دفعه إلى المهندس كليمانت سنة ١٨٣٤، بلغت كلفة تصميم وتصنيع آلة الفرق على الدولة ١٧٤٧٠ جنيهاً إسترلينياً، مما دفع بها إلى العدول عن دعم المشروع خاصة وأنه في الفترة نفسها (سنة ١٨٣١) لم تتعد كلفة القاطرة التي صنعتها شركة روبرت ستيفنسون لنقلها إلى أميركا، مبلغ ٧٨٥ جنيهاً إسترلينياً!
ولا شك أن باباج أحس بالمرارة عندما قام جورج وإدوارد شوتز الأسوجييان ببناء نماذج تسويقية من آلات تعتمد على تصاميم باباج وذلك بين الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي.
وقـد يكون حــظ باباج السيء ناتجـاً عن كونه ولد قبل تطوير التكنولوجيا ووسائل التصنيع الدقيقة اللازمة لوضع أفكاره موضع التنفيذ.
بطاقة هوية:
الإسم: شارلز
الكنية: باباج
تاريخ الولادة: ١٧٩١
تاريخ الوفاة: ١٨٧١
البلد: بريطانيا
الإختصاص: الأجهزة
النظرية: هندسة الكمبيوتر
المنتجات: لا منتجات كاملة
الشركات: غير موجود

