الصفحة الرئيسية > مجلة أبل في العالم العربي > المجلد الثالث - العدد السادس والعشرين - تشرين الثاني (نوفمبر) ١٩٩٣
بقلم
إنتشر الخط العربي مع اللغة العربية والدعوة الإسلامية، وهو يأتي اليوم بعد الحرف اللاتيني في اتساع الرقعة الجغرافية التي ينتشر فيها، إذ يستخدمه جميع الناطقين بالعربية، إلا أهل جزيرة مالطا الذين يرسمون لغتهم بأحرف لاتينية، كما يستخدم في تدوين اللغة الفارسية والأردية والملقّية والكشميرية والسندية ولغات زنجبار وبعض قبائل مدغشقر والحبشة، واستخدمه العثمانين والإسبان لفترة طويلة من الزمن.
لعل من أهم الدراسات اللغوية تلك التي تهدف إلى تبسيط اللغة العربية وأساليب تعليمها، لتقريبها من الناشئة خطاً واملاءً وصرفاً وما إلى ذلك. واعتبر حكيم الصين كونفوشيوس أن اللغة وعاء الفكر، وأن على من يريد إصلاح الفكر أن يبدأ أولا باصلاح لغة الفكر.
وشهدت اللغة العربية دعوات إصلاحية عديدة، تناول أكثرها الخط العربي وكان أكثر هذه الدعوات تطرفاً إقتراح عبد العزيز فهمي على مجمع اللغة العربية في القاهرة تبني الحرف اللاتيني في الكتابة (كما فعل الأتراك). وأهم أضرار هذا الاقتراح قطع الصلة بين حاضر الأمة العربية وماضيها.
وترتبط مفاهيم الجمال والقبح والعيب والجودة والنقص والتمام بمفاهيم المُثُل، وهذه امور نسبية تختلف حسب البيئة والذوق والزمن وغيره. ولكن، مع هذا الاختلاف، يوجد دائما معايير يقول بها معظم الناس، ولولا هذه المعايير لما اتفق الناس على شيء، وينطبق ذلك على الخط العربي، ويرى البعض أن مواصفات الخط المثالي تتلخص بما يلي:
ـ أن يكون مختزلاً
ـ أن يرمز لكل صوت برمز خاص
ـ أن تكون رموزه متباينة الأشكال كي لا يقع القارىء في الالتباس
ـ أن تحتفظ حروفه بأشكالها أياً يكن موقعها في الكلمة
ـ أن تكون رموزه خالية من الإشارات الثانوية
إنطلاقا من هذه المواصفات، يرى الباحثون أن عيوب الخط العربي تتلخص بما يلي:
خلوه من الأحرف الصائتة القصيرة. وللصوائت رموز خاصة توضع فوق الحرف وهي لا تدخل في صلب الخط، بمعنى أن الكتابة كتابتان، واحدة مجردة من الحركات وأخرى مشكلة، وكلتاهما تطرح مسائل وتثير مشاكل.
أما الكتابة المجردة من الحركات فلا تتيسر قراءتها المسترسلة إلا للمتعلمين الذين يملكون فهم مسبق لمعنى ما يقرأون، ولذلك يبذل القارىء العربي الذي لم يتقن قواعد اللغة المجهود الأكبر على اللفظ على حساب المعنى حتى أصبحت أخطاء القراءة الناجمة عن عدم التحريك موضوع تندّر. ودفع هذا النقص قاسم امين إلى القول: إن القارىء في اللغات الأوروبية يقرأ ليفهم، أما القارىء في اللغة العربية فعليه أن يفهم ليقرأ.
أما في ما يتعلق بشكل الكتابة، فهي تتطلب مجهوداً كبيراً ووقتاً أطول للتعلم. فقد نجحت الكتابة العربية من حيث تخصيص كل صوت برمز واحد، إلا أن الحرف الواحد يتخذ صوراً مختلفة حسب موقعه في الكلمة، ويؤدي ذلك إلى صعوبة تعلمه، عدا عن صعوبة تطويعه للتكنولوجيا الحديثة، لأن معظم أجهزة الكمبيوتر مصممة اليوم للتعامل مع الحروف اللاتينية المنفصلة، والتي تقتصر أشـكالـها على الحروف الصغيـرة (Lower Case) والكبيرة (Upper Case). وفي نظام ماكنتوش مثلاً يقتصر عدد أشكال الحروف على ٢٥٥ شكلاً للخط، كما يتطلب ذلك كتابة برنامج خاص للتعامل مع الحروف أثناء الطباعة، فيقوم هذا البرنامج بتحديد الشكل الذي يجب أن يتخذه هذا الحرف حسب موقعه في الكلمة. كل هذا العمل الإضافي لتعريب البرامج الأجنبية يؤدي إلى صرف وقت إضافي وبالتالي تأخير وصول عدد كبير منها إلى المستخدم العربي أو إلى صرف النظر عن تعريبها في بعض الحالات وبالتالي حرمان المستخدم العربي من ميزات هذه البرامج.
كما أن كثرة الأشكال في الخط العربي تقتضي من مصممي الخطوط العربية بذل وقت وجهد كبيرين في تحضير خطوطهم إذا أرادوا الالتزام بقواعد الكتابة العربية والحفاظ على جمال الخط.


لا شك أن تناسب الحروف في أحجامها يزيد في جمال الخط، أما في الحرف العربي فالتناسب الهندسي شبه معدوم. فبعض الحروف صغير وبعضها الآخر كبير. ومنها ما يعلو الخط المستقيم ومنها ما ينحدر عنه، والعلو والانحدار لا يتمشيان حسب قانون محدد.
رأينا محاولات عديدة لحل هذه المشاكل، إلا أن أنجحها فشل حيث أنه إما تمادى في تبسيط الأشكال أو لم ينجح في الحفاظ على سلاسة وجمال الحرف العربي.
الخط العربي المبسط
وهنا نجح «الخط العربي المبسط» حيث فشل الآخرون، ولعل أهم أسباب نجاحه أنه لم يكن وليد فكرة شخص واحد، إنما أشرفت على تصميمه مجموعة من خبراء اللغة العربية والخط العربي وذوي الخبرة في تكنولوجيا الخطوط والتصميم العربي الحديث. وهدفت هذه المجموعة إلى تقديم خط عربي جديد يكون باكورة إصلاحية، وقاعدة يسير عليها مصممي الخطوط العربية الحديثة.

يختصر هذا الخط الأشكال الأربعة للحرف العربي بشكل واحد، ويتيح إمكان الفصل بين الحروف العربية دون التأثير على وضوح قراءتها، كما يخفف من تباين هندسة الحروف محافظاً على جمال وأصالة الخط العربي.
وكان من أهم أهداف المجموعة تسهيل تعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها في العالم، وتوفير قاعدة ثابتة لتطوير الخطوط العربية في وقت أقصر، بهدف خلق مكتبة عربية غنية، حيث أن مجموعات الخطوط العربية المتوفرة اليوم لا تتعدى 5% من المجموعات اللاتينية.
كما يسهل هذا التصميم إمكان الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة والتطورات فور حدوثها، لأن برامج الكمبيوتر لن تحتاج بعد ذلك إلى الكثير من التعديل أو العمل الشاق لتماشيها. كما سيساعد في عمليات التعرف الضوئي على الحروف (OCR)، إذ تستطيع برامج التعرف تمييز الحروف بشكل أسهل عندما تكون منفصلة.
كما روعيت في تصميم هذا الخط سهولة قراءته وتصغير المساحة التي يحتلها ليتمكن المستخدم من طباعة عدد أكبر من الكلمات في المساحة نفسها.


ويراعي الخط العربي المبسط مشكلة تعويد العين العربية التي اعتادت قراءة الأشكال التقليدية على أشكال منفصلة، فهو يمكن استخدامه اليوم بشكل متصل فلا تتعدى صعوبة قراءته صعوبة التعود على أي خط جديد، وبعد فترة من الزمن يمكن فصل هذه الأشكال عن بعضها إذ أن العين قد اعتادت عليها.

لا شك أن هذا الخط يعتبر خطوة مهمة في عالم الخط العربي وتجربة جريئة وعملية. وإيماناً منها بأن رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة، تدعو مجلة «أپل» القراء الكرام المهتمبن بالموضوع إلى الكتابة إليها وعرض آرائهم واقتراحاتهم وتعد بتحويل أية اقتراحات بناءة إلى الفريق المشرف على هذا المشروع لنتابع رحلة تطوير الخط العربي لما فيه مصلحة الأجيال العربية القادمة.

