الصفحة الرئيسية > آباء الكمبيوتر > دان بريكلين: أب الجداول الإلكترونية
دان بريكلين: أب الجداول الإلكترونية
بقلم
كانت أجهزة الكمبيوتر في وقت من الأوقات حكراً على المبرمجين. فإذا أردت من الكمبيوتر أن ينفذ عملاً ما، حتى لو كان جمع عددين، كنت تحتاج إلى برنامج وبالتالي إلى مبرمج مما شكل عقبة مهمة أمام الكمبيوتر الشخصي، فلكي يكون شخصياً فعلاً، كان يجب على عدد أجهزة الكمبيوتر أن يتخطى عدد المبرمجين. وبدا الحل حينها في تسهيل البرمجة لدرجة تمكّن أي كان من ممارستها، مما أثار الكثير من الجدال حول مفهوم مبهم هو «ثقافة الكمبيوتر». وكما نعرف اليوم، لم يكن الحل في تحويل جميع مستخدمي الكمبيوتر إلى مبرمجين بل في إلغاء الحاجة للبرمجة من أساسها. غير أن المهمة بدت آنذاك صعبة لدرجة الاستحالة ولم يكن أحد يعرف ما هي الخطوة الأولى في تنفيذها. ولكن إذا كان هناك شيء يستأهل لقب «الخطوة الأولى في عالم خال من البرمجة»، فهو تطبيق الجداول الإلكترونية (spreadsheet)، وكان دان بريكلين (Dan Bricklin) المبرمج المناسب في المكان المناسب وفي الوقت المناسب (مع شيء من العبقرية أيضاً) لاختراع هذا التطبيق.
تتطور صناعة الكمبيوتر بسرعة لدرجة أنه من الصعب التصور أن الجداول الإلكترونية لم تظهر إلا منذ عام ١٩٧٩. فتبدو هذه الجداول جزءاً عضوياً من عملنا على جهاز الكمبيوتر بحيث لا نفكر فيها أبداً. ولكن عندما فكر فيها دان بريكلين أولاً، كان همه ألا يأتي أحد غيره ويفكر فيها من جانبه ويطرح قبله المنتج في الأسواق.
وتعرّف بريكلين على الكمبيوتر حين كان على شكل أجهزة إيوانية وميني كمبيوتر. وتخرّج بريكلين من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، سنة ١٩٧٣، باختصاص في الإلكترونيات وعلم الكمبيوتر، ثم سلك درباً يعتبره العديد من المبرمجين تدريباً نموذجياً. فبينما كان يعمل في المعهد، قام بكتابة برنامج لملتيكس، وهو نظام تشغيل متطور، ينفذ عمليات حسابية.
واستغرب بريكلين من أن نظام تشغيل متطور كهذا لا يتيح للمستخدم جمع ٢ + ٢ دون اللجوء إلى كتابة برنامج. ومن المحتمل أن أول بذور فكرة الجداول الإلكترونية ولدت عند هذه الملاحظة المبكرة. وبعد فترة من الزمن قضاها بريكلين في العمل على لغات برمجة متطورة مثل «إيه.بي.إل» و«ليسب»، اتجه تدريبه نحو أمور أكثر عملية عندما انضم إلى مجموعة صف الحروف في «دي.إي.سي.». وكان العمل يتطلب حل الكثير من المشاكل التي تواجهها الصحف اليومية، مما يعني أنه التقى بالعديد من المستخدمين الفعليين وأيقن أهمية أسلوب التعامل معهم من خلال البرامج.
وبعد تجربة كتابة تطبيق معالجة كلمات لجهاز ميني كمبيوتر «بي.دي.بي. ٨» يملك ذاكرة من ١٦ كيلوبايت، قرر بريكلين أن الوقت حان للعودة إلى المدرسة ولكن هذه المرة للحصول على شهادة ماجستير في إدارة الأعمال كان يأمل بواسطتها إيجاد عمل بظروف أفضل. إلا أن فكرة إنشاء شركته الخاصة لا شك راوده.
وكانت كلية إدارة الأعمال في هارفارد مشهورة في أسلوب الدراسة المعتمد على الحالات العملية. ويعني ذلك أن على الطلاب استخدام حسابات طويلة جداً ومملة ومعقدة لمعالجة البيانات. وكانت بيانات الشركات تُكتب على لوح (سبورة) كبير وإلى جانبها القيم التي تم حسابها. وكان يؤدي تغيير قيمة واحدة إلى إعادة الحساب من جديد للعديد من القيم الأخرى على اللوح. والألعن من ذلك أن خطأً صغيراً واحداً كان ينتشر ليشمل كل القيم التي تم حسابها وكان الطلاب يمضون الساعات في البحث عن الخطأ الأصلي. وإضافة إلى كونه تمرين للطلاب، كان هذا هو الأسلوب المعتمد في الشركات الكبيرة لوضع خططها المالية: استخدام جيوش من الأخصائيين الاقتصاديين ومساحات واسعة من الألواح. بمعنى آخر كانت تركيبة اللوح والطبشورة والإنسان نذير الجداول الإلكترونية ووظيفة السيناريوهات التي توفرها.
ولا شك على الإطلاق من أن تركيبة الحاسبة والقلم والورقة ركّزت فكر بريكلين حول كيفية تنفيذ المهمة بأدنى قدر من الجهد. وعلماً بأنه مبرمج جيد، قد تعتقد أن حل المسألة يكمن في كتابة برنامج باسيك لحل كل عملية. ولكن المشكلة في هذا الحل هي أن كل عملية تحتاج إلى برنامج جديد كلياً مما يلغي الهدف من كل هذا التمرين. وفي هذه الفترة، كوّن بريكلين فكرة إنشاء «حاسب إلكتروني»، أي معالج كلمات يتعامل مع الأرقام. وفي هذه المرحلة، كانت أفكار بريكلين ضبابية بعض الشيء ولكنها كانت طموحة. وفي البداية فكّر بشبكة من الخانات تذكرنا بما نعرفه اليوم باسم جدول إلكتروني ولكنه كان يفكر أيضاً باستخدام فأرة لتحديد الخانات والتعامل مع القيم التي تحتويها.
وكانت هذه الفكرة جيدة إلا أن بريكلين احتاج إلى آراء أخرى. فسأل أساتذته في هارفارد عن رأيهم في فكرته. وكان الرد إيجابياً عموماً، إلا أستاذ واحد قال له أن هناك العديد من البرامج المتوافرة للمعالجة المالية ولا شك أن السوق لا تحتاج إلى المزيد. ولكن إذا كان ذلك صحيحاً، لماذا إذاً كانوا ينفذون السيناريوهات المالية باستخدام اللوح والطبشور؟ ولحسن الحظ أن بريكلين لم يشعر بالإحباط ولكن قد يكون هذا التعليق أدخل الشك إلى مشروعه لبناء برنامج اتضح في ما بعد أن الملايين يحتاجون إليه.
إلا أن الأستاذ المشكك نصح بريكلين بعدم الاكتفاء برأيه وباستشارة شخص قد يكون أكثر اطلاعاً في هذا المجال هو دان فيلسترا، وهو طالب سابق كان يخطط لإنشاء شركة توزيع برامج. ورد فيلسترا على بريكلين بالاتصال به إذا طوّر أو حين يطور منتج يمكنه عرضه عليه. لم يكن هذا الجواب محبطاً ولكنه كان بعيداً عن التشجيع الذي كان يتوق إليه.
لم يرتدع بريكلين من هذا الموقف وقرر تكريس إجازته الصيفية في تطوير مثال عن فكرته. فكتب برنامجاً بلغة باسيك على جهاز «أبل ٢» كان فيلسترا قد وفره له. والنتيجة كانت بضع مئات من سطور البرمجة تحرّك مائة خانة - إذا اعتبرنا أن ٢٠ ثانية لكل عملية إعادة حساب واحدة اسمها حركة! ولم تكن هناك أي وظيفة طباعة والشبكة المكوّنة من ١٠ x ١٠ خانات دخلت بكاملها في شاشة الكمبيوتر مما جنّب أشرطة التحريك ولكن كان المشهد يؤكد أن ما نراه هو جدول إلكتروني كامل يتمتع بأعمدة تحمل عناوين A وB وC... وسطور مرقمة بـ١ و٢ و٣... كما هو معتاد اليوم. وفي البداية استخدم مقبض الألعاب في جهاز «أبل ٢» بدلاً من الفأرة لتحديد الخانات ولكن في ما بعد تخلى عنه لصالح مفاتيح الأسهم. واستخدم هذا الاختبار لتطوير الكثير من النواحي المهمة التي تكوّن واجهة الاستخدام مثل رمز «/» للدلالة على إدخال الأوامر والإدخال الآلي لعناوين الخانات من خلال تحديد هذه الخانات.
وتمثلت الخطوة الثانية في تطوير نسخة من التطبيق بلغة «أسمبلي» ولكنها كانت فوق طاقة بريكلين الذي كان قد بدأ للتو سنته الثانية في ماجستير إدارة الأعمال. وهنا دخل بوب فراكستون في الصورة. وكان بريكلين قد التقى بفراكستون في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا واتفقا حينها على إنشاء شركة بينهما ذات يوم. وبدت فكرة الجدول الإلكتروني كفكرة ممتازة لإنشاء هذه الشركة. فيتكفل فراكستون بالكتابة البرمجية ويشرف بريكلين على التصميم. وأنشأا الشركة باسم «سوفتوير آرتس» وتسلم بريكلين منصب رئيس مجلس الإدارة وفراكنستون منصب الرئيس التنفيذي. وكما كانت العادة في هذه الشركات المبتدئة آنذاك، أخذ فراكنستون يعمل في ورديات الليل للتوفير في فاتورة تقسيم الوقت الضروري لتصميم البرنامج.
وظهرت في هذه المرحلة مشاكل تتعلق بمسائل متطورة مثل المرجعية المطلقة أو النسبية للخانات. وكان على النسخة النهائية للبرنامج أن تشكل تسوية بين الوظائف المتطورة والأداء الفعال وجاءت بلغة «أسمبلي» لتحتل ٢٥ كيلوبايت من الذاكرة (نعم، لم ننسى صفراً، برنامج جداول إلكترونية يستهلك ٢٥ كيلوبايت فقط!)، لكنها لا تعمل إلا مع الأرقام الصحيحة ولا تدعم إلا الجمع والطرح.

وتم عرض أول إصدار على شركة «أبل» لكنها لم تعترف بأي قيمة له. من جهتها، اعترفت «أتاري» بفائدته لكنها لم تكن تملك جهازاً يدعمه. إلا أن فيلسترا وافق على تسويقه ولكنه اشترط اقتطاع نسبة ٦٤٫٣ ٪ من العائدات تنخفض إلى ٥٠ ٪ للكميات الكبيرة المباعة.
في البداية، تطورت الأمور ببطء وانتشر البرنامج، الذي أطلق عليه اسم «فيزيكالك»، بفضل كلام الناس. وفي سنتها الثانية كان يُباع من نسخة «أبل» ١٠٠٠ وحدة في الشهر.
وكان بريكلين وفراكستون قد استثمرا في شركتهما مبلغ ٢٠٠٠٠ دولار وقرض بقيمة ٦٥٠٠٠ دولار، أنفقاهما على مبرمجين إثنين وجهاز ميني كمبيوتر. وتم تحويل البرنامج ليدعم معالج «زد ٨٠» باستخدام مترجم آلي وهو عبارة عن مترجم لغة «أسمبلي» ذكي جداً. وكل ما تبقى تنفيذه هو تعديلات يدوية طفيفة. وبعد سنوات عدة، اكتشف الشريكان أن الأخطاء التي كانت تعتري نسخة «أبل» تُرجمت بالكامل إلى نسخة «زد ٨٠».
واستخدما التقنية نفسها لتحويل فيزيكالك إلى كمبيوتر آي.بي.إم. الشخصي ضامنين بذلك توفير البرنامج في هذه البيئة بسرعة. ولكن هذا التحويل أعطى شركة «لوتس» الفرصة لدخول مجال الجداول الإلكترونية وإنتاج برنامج أفضل من فيزيكالك. فلا يمكن لبرنامج محوّل من بيئة أخرى أن يعادل بأدائه برنامجاً مطور خصيصاً للكمبيوتر الشخصي. لذلك تمكنت «لوتس» من إنتاج برنامج أداؤه أسرع ووظائفه أكثر («لوتس ١-٢-٣») في مساحة الذاكرة نفسها التي يستهلكها فيزيكالك. ولكن كيف استطاعت «لوتس» إنجاز ذلك؟ هذه حكاية أخرى.
في جميع الأحوال، كان فيزيكالك السبب الحقيقي وراء نجاح جهازي «أبل» و«آي.بي.إم.». فرفضت هذه الأخيرة الإعلان عن طرح الكمبيوتر الشخصي قبل إتمام عملية نقل فيزيكالك إلى معالج هذا الجهاز. وكان الناس يشترون جهاز الكمبيوتر لسبب واحد فقط هو تشغيل البرنامج. وبالتالي ففيزيكالك هو الذي نشر الكمبيوتر الشخصي بهذا الشكل المدهش، إذ أنه للمرة الأولى أتاح للمستخدم التعامل مع الأرقام وبناء النماذج دون الحاجة إلى كتابة برنامج. ولا يزال نجاح الجداول الإلكترونية مستمراً حتى الآن إذ أنها التطبيق الثاني الأكثر استخداماً بعد معالج الكلمات.
ولكن نجاح فيزيكالك لم يُترجم إلى نجاح لشركة «سوفتوير آرتس» التي سريعاً ما ارتبكت سياساتها. فتردد بريكلين في تطوير منتج جديد خوفاً من أن يعكّر هذا المنتج تطور تسويق فيزيكالك المدهش. وفي النهاية طورت الشركة برنامج «تي.كيه. سولفر»، وهو محاولة مبكرة لأتمتة حل المعادلات الحسابية، وبرنامج «سبوت لايت» لإدارة سطح مكتب الكمبيوتر لكن لا شيء وصل إلى مستوى النجاح الذي أحرزه فيزيكالك. ففي أوج مسيرته، باع فيزيكالك مليوني نسخة بسعر ١٥٠ دولاراً للنسخة الواحدة، في خلال ١٢ شهراً!

ولكن هذا النشاط التجاري المحصور في منتج واحد لا يجب أن يؤدي إلى الاعتقاد أن «سوفتوير آرتس» كانت تجهد لإبقاء فيزيكالك في الريادة. فكانت بطيئة للغاية في طرح إصدارات جديدة من البرنامج تاركة بذلك السوق مفتوحة للمنافسة الآتية بمنتجات أفضل. رغم ذلك، كرّس بريكلين نشاطه في الحصول على جائزة غريس هوبر للإنجازات المهمة في حقل الكمبيوتر من قبل الشباب تحت الثلاثين سنة.
وعندما بدأت «سوفتوير آرتس» بالتفكير في الدخول في البورصة، قصفتها شركة «فيزيكورب»، شركة التوزيع التي يملكها دان فيلسترا، بدعوى قضائية. فكانت «فيزيكورب» تخطط لإطلاق برنامج فيزي أون الذي كان سيحل مكان فيزيكالك كنجم مبيعاتها. وشب الخلاف بين «فيزيكورب» و«سوفتوير آرتس» وأدى إلى طلاق نتيجته دعوى قضائية بقيمة ٦٠ مليون دولار أقامتها «فيزيكورب» زاعمة أن «سوفتوير آرتس» تقاعست عن دعم فيزيكالك وإنتاج إصدارات جديدة.
وردت «سوفتوير آرتس» بدعوى مضادة تتهم فيها «فيزيكورب» بدعم برنامجها الخاص فيزي أون على حساب تسويق فيزيكالك. وأدت الدعوى والدعوى المضادة إلى تغييب فكرة طرح أسهم «سوفتوير آرتس» في البورصة، فلا أحد يحب شراء أسهم شركة غارقة في الدعاوى القضائية. في النهاية تمت تسوية الخلاف خارج المحكمة ودفعت بمقتضاه «فيزيكورب» لـ«سوفتوير آرتس» نصف مليون دولار وحررت هذه الأخيرة من عقدها. ولكن جاء كل ذلك متأخراً جداً.
ففي الوقت الذي انتهى فيه الخلاف كان برنامج لوتس ١-٢-3٣ قد كسح سوق الجداول الإلكترونية وشركة بريكلين التي كانت في يوم ما تساوي ٥٠ مليون دولار أصبحت لا تساوي شيأ على الإطلاق. فاشترت شركة لوتس موجودات «سوفتوير آرتس» بثمن بخس وتجنبت هكذا دعوى تقليد كان من الممكن لهذه الأخيرة أن ترفعها. وشاهد دان بريكلين شركته تذوب أمام عينيه فانسحب بعد أن عمل كمستشار في «لوتس» لفترة قصيرة وأسس شركة صغيرة أطلق عليها اسم حديقة البرامج («سوفتوير غاردن») بينما بقي بوب فراكستون في «لوتس». ولم تستفد شركة حديقة البرامج من شهرة بريكلين رغم الاستقبال الحافل الذي سجله البرنامج الذي طورته، «عرض دان بريكلين» (dan briklin’s demo) وهو برنامج لإنتاج عروض الأمثلة. فكان الناس يتوقعون أن كل ما ينتجه بريكلين هو جدول المستقبل الإلكتروني. وظل الناس لفترة طويلة يتوقعون أن أم برامج الجداول الإلكترونية سوف يظهر فجأة من قبعة دان بريكلين. إلا أنه من الأكيد أن اختراع بريكلين للجداول الإلكترونية كان حادثة فردية.
بطاقة هوية
الاسم: دان بريكلين
تاريخ الولادة: ١٩٥١
البلد: الولايات المتحدة
الاختصاص: البرامج
النظرية: غير موجود
المنتجات: فيزيكالك وعرض دان بريكلين
الشركات: فنون البرامج وحديقة البرامج
