الصفحة الرئيسية > آباء الكمبيوتر > هرمان هولريث وسلطة الدجاج وبداية الكمبيوتر التجاري
هرمان هولريث وسلطة الدجاج وبداية الكمبيوتر التجاري
بقلم
يعني الكمبيوتر لمعظم الناس تنفيذ حسابات وهناك الكثير من الروايات عن علماء ومهندسين اضطروا لاختراع أجهزة كمبيوتر لتجنب عناء الحسابات الرقمية المكررة. ومن المعروف عامة ان هذه الكمبيوترات الأولى تطورت لتصبح آلات معالجة تحتاجها البيئات التجارية دون ان تبذل اي جهد لآتمتة معالجة البيانات.
هذا ليس صحيحاً. فالعلماء احتاجوا الى آلات يمكنها الحساب ولكن رجال الأعمال احتاجوا الى آلات يمكنها معالجة البيانات واحتاجوا اليها حتى قبل ان يتنبه العلماء الى الصعاب التي يواجهونها في الأرقام.
وفي مجال الكمبيوتر التجاري، يعود الفضل الى رجل واحد في اختراع المعالجة الآلية للبيانات وهو انجاز يعادل بناء جهازي إينياك ومارك 1 ولكن اسمه بالكاد معروف في ايامنا هذه.
ولد هرمان هولريث (Herman Hollerith) في مدينة بوفالو ولاية نيو يورك وكان ولداً عملياً للغاية وتمتع بموهبة فطرية للهندسة. ولما بلغ سن الخامسة عشر دخل مدرسة كولومبيا للمناجم وعمل في مناجم الفحم في ميتشيغان خلال عطله الصيفية. وفي سنة ١٨٧٩ تخرّج بشهادة هندسة مناجم. وبدا حينها ان مستقبله اضحى واضحاً ولكن في سنة ١٨٩٧ كانت الولايات المتحدة تعد للتعداد السكان العشري وكانت تواجه مسائل تتطلب عقل ميكانيكي.
ونمت الحاجة الى تعداد للسكان في الولايات المتحدة مع زيادة أعداد السكان وكلما تم تأجيله كلما ازدادت الصعاب في وجهه. وكان أول تعداد للسكان قد حصل سنة ١٧٩٠ واستغرق جمع البيانات تسعة أشهر وحوالي السنة لعدّها. وكررت الدولة هذا التعداد كل عشر سنوات ولكن النمو السكاني بلغ ٣٥ ٪ في السنة. وبحلول سنة ١٨٦٠ كان على الدولة عدّ أكثر من 31 مليون نسمة. ومع مرور الزمن أصبح التعداد أكثر تعقيداً لدرجة انه في سنة ١٨٥٠ أقر مجلس الشيوخ قانون يحد من عدد الأسئلة في التعداد لكي لا يتجاوز المئة. وبدا الأر كما لو ان معالجة بيانات التعداد سوف تستغرق أكثر من عشر سنوات مما جعل من إحصاءات عمرها عشر سنوات عديمة الجدوى. فالحكومات الحديثة تحتاج الى بيانات حديثة اتخطيط خدماتها وتوقع مستويات الضرائب.
من الصعب لنا فهم طبيعة المشاكل التي كان يواجهها التعداد. فنحن اعتدنا على استخدام الكمبيوتر للتعامل مع كميات كبيرة من البيانات، لكن في ١٨٥٠ لم يكن هناك اي الكترونيات وكانت معالجة بيانات التعداد تتم يدوياً. وكان على الموظفين نقل جبال من الاوراق وعد الأجوبة بأنفسهم. ولم يتسبب ذلك في إطالاة المعالجة فقط بل في الحد من نوع الاسئلة التي استخدمت ايضاً. فكان بالامكان عدّ تواترات الإجابات ولكن كان بناء جداول الفئات، اي الجدولة المتعاكسة، يستغرق وقتاً طيلاً جداً. وكانت المهمة صعبة لدرجة ان اي مساعدة على شكل آلة ميكانيكية كانت تحسن الأوضاع بشكل ملحوظ. فعلا سبيل المثال، في تعداد سنة ١٨٧٠، قام تشارلز سيتون ببناء آلة توفر لفاة من الورق يمكن لموظفي التعداد الكتابة عليه. وهذا الاختراع الذي اكتفى جعل الامور اكثر توضيباً ساهم في تسريع العدّ كثيراً، ولكن كان من الواضح ان الأمر يحتاج الى حلول أكثر جذرية.
جاءت النجدة
بعد تخرجه، عُرض على هواريث وظيفة مساعدة احد اساتذته، ويليام تروبريدج، في وضع تقرير للتعداد حول استخدام البخار. لم يكن عمل هولريث شاقاً مما سمح له بالاشتراك في النشاطات الاجتماعية في واشنطن. كانت هوايته الوحيدة هي التصوير الفوتوغرافي ولكن مثل العديد من المصورين كان لا يجب الظهور في الصور. ونسج هولريث علاقة مع كيت شيرمان بيلينغز، وهو حدث غير مهم الا اذا عرفنا ان والدها كان مسؤولاً عن جوانب مهمة من التعداد وبالتحديد إحصاءاته.
ولاثارة اعجاب كيت، حاول هولريث شراء كل تذاكر اليانصيب في حفلة كانا يحضرانها. ولكن لسوء الحظ، اشترى كل التذاكر الا واحدة: التذكرة الرابحة! وعلى المائدة اختار سلطة الدجاج مما قدم لكيت فرصة دعوته الى منزلها لان سلطة الدجاج هي من الذّ الاطباق التي تحضرها والدتها.
وفي منزل عائلة بيلينغز، دخل هولريث في حديث مطول مع والد كيت حوال مشاكل التعداد السكاني. وكان بيلينغز متأكداً انه من الممكن حل هذه المشاكل ميكانيكياً ولكنه كان أخصائي فيزياء وليس مهندساً. وفي وقت لاحق، نقل هولريث الحديث الذي دار بينهما:
«قال لي انه متأكد انه بالامكان بناء آلة لتنفيذ الأعمال الميكانيكية البحتة مثل جدولة إحصاءات السكان... وفكر في استخدام بطاقات تكون اوصاف الأشخاص ممثلة بشقوق في اطراف البطاقة... وبعد دراسة المسألة، عدت الى الدكتور بيلينغز وقلت له انه بإمكاني إيجاد الحل وعرضت عليه ان يشاركني. فأجاب الدكتور ان همه الوحيد هو ان يكون هناك حل وليس ان يشترك في صنعه».
وفي السنوات التالية تمتع هولريث بكرم مفرط في نسبة الفكرة الأساسية لاستخدام البطاقات المثقوبة الى بيلينغز وذهب ابعد من ذلك اذ كان يعزو اختراع معالجة البيانات الآلية الى «سلطة الدجاج»!
ولكن الاتيان بفكرة استخدام البطاقات المثقوبة تبقى بعيدة جداً عن القيام فعلياً ببناء الآلات التي تعالج هذه البطاقات. وفي سنة ١٨٨٢، دخل هولريث الى معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا لتعليم الهندسة واستفاد من اوقات فراغه لبناء آلة التعداد. وبعد سنة فقط عاد الى واشنطن للعمل في مكتب براءات الاختراع مما خوله ان يصبح خبيراً في هذه البراءات، ولا شك انه سيحتاج الى هذه الخبرة في السنوات القادمة.
وفي سنة ١٨٨٤ حصل على أولى براءاته: «بعض التحسينات الجديدة والمفيدة في فن معالجة الإحصاءات». وأخذ معه آلة تعمل جزئياً الى مكتب التعداد ولكن قبل الموافقة على تمويل هذه الآلة طلب المكتب مشاهدة بروفة حقيقية لها. فاستدان هولريث مبلغ 2500 دولار من شقيقه وأصبح أول من بدأ شركته في مرأب في تاريخ الكمبيوتر، قبل هيولت وباكارد وقبل ستيف جوبز وستيف وزنياك.
وفكر هولريث بعدة وسائل لتسجيل البيانات لمعالجتها. وبدا له ان الأشرطة الورقية هي فكرة جيدة اذ كانت تستخدم من قبل كمكوّن من نظام التلغراف السريع وبالتالي كان يوجد آلات لقراءتها. ولكنه تخلى عن الفكرة لأن الشريط لا يسمح بالحصول على تسجيلات فردية بسهولة. وتذكر هولريث انه رأى يوماً أحد موظفي سكة الحديد يستخدم «الصورة الثقوبة» اي انه يتم ثقب تذكرة السفر للدلالة على شكل صاحبها - نحيف، شعر داكن، أنف كبير وهكذا - فقرر ان البطاقات هي الوسيلة الأفضل.

عبر الثقوب
في البداية كانت بطاقته تثقب في أطرافها فقط لأن آلة الثقب لم تستطع الوصل الى وسط البطاقة، ولكن سرعان ما تمكن من حل هذه العقدة. والحال، أنه أعاد اختراع نول جاكارد وبطاقة باباج المثقوبة، غير انه من غير المعلوم اذا كان قد تعرّف على هذه الأعمال السابقة. ولكن بما ان شقيقه كان يعمل في صناعة الحرير، فمن غير المستبعد ان يكون هولريث قد سمع منه بالأنوال التي تتحكم فيها البطاقات المثقوبة.
وبحث هولريث عن وسيلة لبرهنة حسن أداء آلاته، فعرض مساهمته في أتمتة سجلات مدينة بالتيمور الصحية التي كانت في حال يرثى لها. وقام هولريث بثقب معظم البطاقات بنفسه - وهو عمل ضخم لأنه استخدم الثقب اليدوي لمعالجة ١٠٠٠ بطاقة في اليوم بعشرة ثقوب لكل منها. واحتوت كل بطاقة بيانات شخص واحد وبعد الانتهاء من ثقب البطاقات، تكفلت آلات الجدولة والفرز التي بناها بتوفير إجابات على أسئلة كانت مستحيلة في السابق. ومع ان الآلات التي عالجت البطاقات كانت ميكانيكية وليس جهاز كمبيوتر يعمل ببرنامج مخزن، الا ان تآثيدها على الأشخاص الذين كانوا يتعاملون مع السجلات الصحية كان مذهلاً. ويمكن القول هنا ان عصر المعالجة الآلية للبيانات قد بدأ.
مع ذلك، من المهم الا نتوهم ان آلات معالجة البطاقات هذه تشبه من قريب او من بعيد أجهزة مالجة الآوراق الفائقة السرعة التي طورت في الستينات. فقد استخدم اول منظم جداول بناه هولريثمجموعة من الإبر الفولاذية المرتكزة على زنبركات بمعدل إبرة لكل ثقب في البطاقة. فعند مرور ثقب ما تدخل الإبرة فيه وتقفل الدارة الكهربائية بالخطس في حفرة صغيرة مليئة بالزئبق. فكان على مشغٌل الآلة ان يلتقط بطاقة ويضعها في إطار مركب فوق الحفر المملوءة بالزئبق. وبعد إغلاق الغطاء المزود بالإبر، يتم تسجيل البيانات في العدادات. وقد لا تبدو هذه العملي أسرع من العدّ اليدوي ولكن كل موقع مناسب لثقب كان مزوداً بإبرة وعداد كهرو-ميكانيكي مما يعالج كامل البطاقة بتمريرة واحدة.
كان مكننة السجلات الصحية اجحة للغاية مما دفع بدائرة الصحة الى استئجار الآلة وبذلك سجل هولريث اول نجاح تجاري. اما مشروعه التالي، فكان مكننة السجلات الصحية المحفوظة في وزارة الحوب. وكان مستعداً لتأجير آلاته ولكن المسألة هنا كانت أكثر تعقيداً اذ ان على كل بطاقة ان تستوعب بيانات أكثر من المشروع السابق. وبدلاً من زيادة حجم البطاقة، قرر هولريث استخدام تركيبات مختلفة للثقوب. وهذا شكل بداية استخدام الترميز الذي ادى في ما بعد الى الترميز الثنائي (binary) وترميز أسكي.
تحت الاختبار
كان هولريث بالطبع سعيداً بهذه النجاحات ولكن كانت عينيه شاخصة الى تعداد السكان القادم في سنة ١٨٩٠. ومع ا مكتب التعداد عرض عليه وظيفة الا انه رفضها لأنه كان يرغب في بيع آلاته وليس الاشتراك في تنفيذ التعداد!
ولاختيار الأجهزة التي سيستخدمها التعداد أقيمت مباراة بين ثلاثة أنظمة متنافسة - الأول يستخدم قصصات ورق ملونة والثاني يستخدم فيش لعبة البوكر والثالث استخدم بطاقات هولريث. وكانت المباراة بارة عن معالجة بيانات ١٠٠٠٠ شخص وتمكنت آلات هولريث من اتمام المهمة بأكثر قليلاً من ثلاثة أيام. ومعظم هذه الفترة استغرقتها عملية ثقب البطاقات، الا ان المعالجة بحد ذاتها لم تتعد الخمس ساعات. الأسلوب الثاني الأسرع استغرق أربعة أيام ونصف. كانت النتيجة ان مكتب التعداد اشترى ٥٦ آلة من هولريث بسعر ٥٦٠٠٠ دولار.
وأتمّ تعداد ١٨٩٠ في الوقت المناسب واتضح ان آلات هولريث وفرت خمسة ملايين دولارات على الأقل. وكان هذا التعداد أول عملية واسعة لمعالجة البيانات ومما لا شك فيه ان منظمي التعداد استغلوا الآلات الجديدة لوضع أسئلة أكثر تعقيداً مما يدل على ان التوفير كانت لاتأكيد أكبر من المقدّر.
وبعد النجاح الذي حققه التعداد بدأت آلات هولريث تدخل مجال الأعمال عامة. وأول من اعتمدها كانت شركات سكك الحديد الأميركية - ولكن بعد جهد كبير بذله هولريث. وقام بتأسيس شركة أطلق عليها اسم شركة آلة تنظيم الجدولة (Tabulating Machine Company) ولكن ولبعض الوقت، لم يقم بتنظيمها جيداً. ولدعم بيانات سكك الحديد اختار بطاقات بحجم ورقة الدولار الحالية وحجم حجم بقي مستخدمً في ما بعد. وأدخل أيضاً نظام حقول - اي مجموعة من الأعمدة يخزن كل منها وحدة بيانات وحيدة. وتمت تزويد البطاقات بمساطر وكانت مقرءة من البشر والآلات.
وبدأ نظام معالجة بيانات كامل بالتكوّن وكان يعرف باسم «نظام هولريث» والبطاقات المثقوبة عرفت باسم «بطاقات هولريث». وتطور النظام مع الوقت وزادت سرعة وأداء الآلات التي تتعامل مع البطاقات. وبعد وحدات العدّ والفرز البدائية جاءت وحدات يمكنها جمع محتويات الحقول وحتى ضرب قيمها. وكان مركز معالجة البطاقات المثقوبة السبّاق للأجهزة الإىوانية (mainframes)، وكانت البطاقات نوعاً من الذاكرة البدائية وآلات البطاقات لعبت دور المعالج. وكان الشيء الوحيد الذي حال دون وصف النظام بالكمبيوتر هو غياب برنامج يتحكم بكامل الآلة. وبدلاً من البرنامج كان هناك عاملون يقررون ما يجب فعله بالبطاقات وينقلون هذه البطاقات من آلة الى أخرى. ويمكن الجدل بأن الأشخاص الذين كانوا يشغلون النظام هم البرنامج الذي يشغّل أول جهاز لمعالجة البيانات. فلم تمر ٥٠ سنة على تخلي باباج عن آلتي الفرق والتحليل، تطورت التكنولوجيا الى درجة جعلت من مالجة البيانات الآلي حقيقة وأصبحت مفيدة ومربحة.
في ما بعد اندمجت شركة هولريث بمجموعة من الشركات الأخر وسميت هذه المجموعة «سي.تي.أر.» برئاسة مدير عام اسمه توماس واتسون. وفي سنة ١٩٢٤ تغير اسم الشركة ليصبح «آي.بي.إم.».
توفي هولريث سنة ١٩٢٤ ولكن نظام البطاقات المثقوبة الذي وضعه عاش حتى السبعينات من القرن العشرين وما بعد. لكن اليوم، لا يذكر اسم هولريث الا اذا وجد احد مبرمجي لغة فورتران امامه تنسيق نصوص غريب اسمه «حقل هولريث» (Hollerith Field).
بطاقة هوية
الاسم: هرمان هولريث
تاريخ الولادة: ١٨٤٨
تاريخ الوفاة: ١٩٢٩
البلد: الولايات المتحدة
الاختصاص: المعالجة الآلية للبيانات
النظرية: لا يوجد
المنتجات: آلات ثقب البطاقات
الشركات: The Tabulating Company التي أصبحت في ما بعد «آي.بي.إم.»
