الصفحة الرئيسية > آباء الكمبيوتر > آباء الكمبيوتر الأوائل: عملهم جعل اختراع الكمبيوتر ممكناً

آباء الكمبيوتر الأوائل: عملهم جعل اختراع الكمبيوتر ممكناً

بقلم جورج قندلفت

إذا كان لدينا اليوم جهاز كمبيوتر، يكون بفضل الأرقام. فبدون اختراع الأرقام لم يكن من الممكن اختراع الكمبيوتر. لذلك يمكننا دون كبير مجاذفة اعتبار العلماء الأوائل الذين وضعوا الأرقام وعلم الحساب، الآباء الأوائل للكمبيوتر.

إذا كان لديك بضعة أرقام تريد جمعها، لن تواجهك أية مشكلة. حتى لو كنت تريد حساب مدار ذرة الهايدروجين، يمكنك ذلك شرط أن تعرف كيف. في هذه الأيام لا يشكل الحساب اي مشكلة أللهم إلا إذا كان عليك تنفيذ عمليات حساب ضخمة. إلا أنه، منذ وقت غير بعيد، كانت أبسط عمليات الحساب تتسبب في إعصار يلف عقل الإنسان. وكانت هذه الصعوبة بمكان حدّت من النشاط التجاري وإدارة البلدان لأنه كان من المتعذر جمع إثنين على إثنين.

اليوم، ننظر إلى كل الأشياء التي يمكن لجهاز الكمبيوتر تنفيذها ونعرف لماذا نريد هذا الجهاز، لتثبيت أحدث الألعاب ربما، ولتنفيذ بعض العمليات الحسابية أحياناً. إلا أن تنفيذ عمليات الجمع كان وراء اختراع الكمبيوتر في أول أيامه. ويمكننا القول بأن الحاجة لجمع إثنين على إثنين للحصول على أربعة هي التي دفعت إلى اختراع الكمبيوتر.

ولكن قبل التفكير في أتمتة عمليات الحساب، يجب أن يكون لدينا نظام أساسي سليم لتنفيذ العمليات حتى يمكننا أتمتته. وإذا فكرنا في ذلك اليوم نجد أن المسألة تافهة وسهلة لدرجة البلاهة ولكن حاول تنفيذ عملية الجمع بالرقمين الرومانيين CXVII وLXIIV وتعرف حينها ماذا أعني. ومن المحتمل أن تمرّس الرومان بالعلوم المختلفة كان سيكون أفضل بكثير لو أنهم ابتكروا نظام ترميز للأرقام أفضل من هذا النظام.

ولم يكن الرومان وحدهم الذين عانوا من مشاكل ترميز الأرقام. فاليونانيون والصينيون عانوا من المشاكل نفسها. من هنا جاءت الطرفة التي تقول إن اليونانيين يفضلون النقاش الفلسفي حول أسنان الفرس بدلاً من عدّها. ونظراً لترميز أرقامهم، لا شك أن الفلسفة حول الأسنان أسهل وأضمن بكثير من عدّها.

ولإعطاء فكرة واضحة حول أهمية ترميز الأرقام ومدى تعقيدها، سنأخذ مثال المصريين القدماء. فالنظام المصري كان يرمّز الأرقام من واحد إلى تسعة بخطوط عمودية و١٠ بنير و١٠٠ بحبل ملفوف و١٠٠٠ بزهرة لوطس و١٠٠٠٠ بإصبع منتصب و١٠٠٠٠٠ بشرغوف (فرخ الضفضع) و١٠٠٠٠٠٠ برجل رافع ذراعيه إلى السماء بدهشة.

بالتالي، إذا أردنا كتابة الرقم ٣٦٤٧٥٤٣ بالنظام المصري القديم يجب علينا رسم ثلاثة رجال بأذرع مرفوعة وستة شراغيف وأربعة أصابع منتصبة وسبع زهرات لوطس وخمسة حبال ملفوفة وأربعة أنيار وثلاثة خطوط عمودية. ولن أنجر إلى الكلام عن عملية ضرب أو قسمة باستخدام هذا الترميز!

(يدعم النظام المصري إتجاه الكتابة المعاكس أيضاً، لكننا اعتمدنا هنا الاتجاه الذي نعرفه في نظامنا للمقارنة البصرية).

وقد تكون صعوبة الترميز هي التي دفعت بالصنيين واليابانيين إلى اختراع أول آلات ميكانيكية تساعد في الحساب. وفي بداية القرن العشرين، كان المعداد الصيني أو الياباني يتغلب على أفضل حاسب ميكانيكي غربي إذا وُضع في أيد متمرسة.

ولكن إذا اتجهنا نحو شرقنا المتوسط نرى أن الأمور تحسنت كثيراً منذ نظام العدّ البابلي المعتمد على أساس ستيني. فقد ابتكر الهنود نظام عدّ يعتمد الأساس العشري ويخصص رمزاً مختلفاً لكل رقم بين ١ و٩ بحلول القرن الرابع الميلادي (باستثناء الرقمين ٢ و٣ اللذين كانا تكراراً لرمز الرقم ١). والمرجح البديهي ان هذا النظام العشري جاء من الأصابع العشرة للإنسان. وقد يقول قائل إن هذا ما كان على الانسان اعتماده منذ البداية لأن أصابعه العشرة دائماً أمام عينيه. إلا أن الأمر ليس بهذه البساطة، فهنود اليوكي الذين اتخذوا من كاليفورنيا موطناً لهم، اعتمدوا النظام الثماني (مستبقة بذلك نظام البايت في الكمبيوتر) لأنهم لم يكونوا يعدون على أصابعهم بل بين أصابعهم! وبحلول القرن السابع الميلادي صارت الرموز التجريدية للنظام العشري لا تمت بأية صلة الى العدد الذي ترمز اليه مما يعتبر قاعدة أرقامنا الحالية.

وانتقل نظام العد العشري مع رموزه التسعة إلى الشرق الأوسط مبكراً، أي قبل الفتح العربي واستخدمه رجال الدين المسيحيين إضافة إلى علم الفلك الهندي لحساب تاريخ عيد الفصح في كل سنة.

وبعد الفتح اعتمد العرب نظام العد العشري وقام أبو جعفر الخوارزمي بوضع أول مؤلف يشرح كيفية عمل هذا النظام ويدمجه بأحد أنظمة العد العربية التي كانت دارجة آنذاك وهو نظام العد على الأصابع ويضيف إليه رمزاً جديداً هو الصفر.

وطور العرب في المشرق نظام الرموز العشرة لتصبح ما يسمى اليوم بالأرقام الهندية (١، ٢، ٣، ...). أما عرب المغرب فقاموا بتطوير رموز مختلفة عرفت بالأرقام العربية (1، 2، 3، ...)، وهي التي صدّرها الأندلس إلى سائر أوروبا ثم إلى العالم بأسره.

واستخدم العرب في المشرق لوحاً عليه غبار لتنفيذ العمليات الحسابية بالأرقام العشرة (لذا كان عرب المغرب يطلقون على الأرقام الهندية اسم غبار). وتم استخدام لوح الغبار لأن العمليات الحسابية، مثل عملية جيلوزيا (أنظر الإطار)، كانت تتطلب نقل أرقام من مكان إلى آخر وحذف أرقام أخرى وغير ذلك. وكان ذلك سهلاً باستخدام الغبار على اللوح بالطريقة نفسها التي استخدمنا فيها في ما بعد اللوح المدرسي (السبورة) والطبشور.

وبفضل نظام العدّ العربي، أصبح علم الحساب وخاصة عمليتا الضرب والقسمة شيئاً عملياً . إلا أنه لم يصل إلى درجة السهولة التي تتيح لأي كان استخدامه مما حصر ممارسته بعلماء الرياضيات وحسب. والمثقفون أنفسهم كانوا لا يعرفون الكثير عن كيفية عمل الأرقام وحساباتها.

وحتّم هذا الواقع ضرورة ابتكار وسائل جديدة لتسهيل الحساب. فقام جون نابيير (John Napier) سنة ١٦١٤، وهو عالم رياضيات اسكوتلاندي، بوضع أول جدول للوغاريثم (العشري)، الذي اخترعه بالتزامن (ولكن بشكل مستقل) مع العالم الألماني جوست بورجي (Joost Bürgi)، لتسهيل عمليتي الضرب والقسمة إلا أنه لم يخترع المسطرة الحاسبة التي تعتبر الأداة الطبيعية لاستخدام اللوغاريثم.

باختصار، كل عدد يملك لوغاريثم. وبالتالي، فإن جمع قيمتي لوغاريثم يعادل ضرب القيمتين الأصلييتين. فإذا كان لديك قيمتان تريد ضربهما يكفي أن تعثر على اللوغاريثم المناسب لكل منهما في جدول اللوغاريثم وتجمعهما ثم تعثر على القيمة التي تناسب نتيجة الجمع في الجدول العكسي لتحصل على نتيجة الضرب. وبالطبع، نستنتج من ذلك أن قسمة قيمة على قيمة أخرى تعادل طرح لوغاريثم القاسم من لوغاريثم المقسوم.

يسهّل اللوغاريتم عمليتي الضرب والقسمة لكن بشرط أن تتوافر لديك جداول مناسبة تتيح البحث عن اللوغاريثم والمقابل. والحال إن ضرورة وضع هذه الجداول هي التي دفعت بتشارلز باباج إلى التفكير بآلة الفرق ووضع نظرية الكمبيوتر الحديث شارلز باباج: هل يعتبر أب الكمبيوتر ؟.

وإضافة إلى اللوغاريثم، ارتبط اسم جون نابيير بالعظام (Napier’s Bones). وهذه العظام (التي صممها سنة ١٦١٧ - أنظر الإطار) هي عبارة عن مجموعة قضبان تُكتب عليها جداول الضرب. ويمكن للمستخدم اختيار قضبان معينة لعملية ضرب معينة ثم جمع النتائج الفرعية للحصول على النتيجة النهائية. وإضافة إلى معالجة الضرب، ضمت المجموعة قضيب لحساب الجذر التربيعي والتكعيبي. ومع أن العظام كانت اكتشافاً مهماً إلا أنها لا تدل على ذكاء واضعها بقدر ما تدل على مدى ضعف الناس في الحساب. ومن المؤكد أن العظام لم تشكل أبداً سلف المسطرة الحاسبة.

وتشكل المسطرة الحاسبة اختراعاً منطقياً من قبل العالم الضليع في اللوغاريثم. إلا أن الفكرة لم تخطر في بال نابيير بل خطرت في بال وليام أوتريد (William Oughtred) سنة ١٦٢٥. وكان أوتريد رجل دين وعالم رياضيات ويذكر له التاريخ مساهمته المهمة في التعريف بالخوارزمي وتعميم علم الجبر ووضع رمز x لعملية الضرب.

ويمكن اعتبار المسطرة الحاسبة بمثابة كمبيوتر متواصل (analog، على عكس رقمي أي digital) يعرض درجات على مسافات تتناسب مع اللوغاريثم. وبتحريك قسمي المسطرة، يمكن جمع المسافات وقراءة نتيجة الضرب في قسم مقابل اللوغاريثم. وانتشر استخدام المسطرة الحاسبة بين المهندسين والعلماء والطلاب حتى سنة ١٩٧٢ حين ظهرت أول حاسبة إلكترونية من «هيولت باكرد» وقذفتها إلى المتحف.

وساهم اللوغاريثم والمسطرة الحاسبة في تسهيل علم الحساب إلى حد بعيد، إلا أنه لا يمكن اعتبارهما آلة حاسبة ميكانيكية.

ويعتبر الكثيرون أن أول كمبيوتر متواصل هو فعلياً الأسطرلاب الذي تعود أقدم نسخة معروفة منه إلى العالم الفلكي المسلم الفزاري، ولكن الأسطرلاب كان متخصصاً في وظيفة واحدة هي العمليات الفلكية. ويعود الفضل في ظهور أول آلة حاسبة ميكانيكية للفيلسوف الفرنسي بليز باسكال (Blaise Pascal) الذي أطلق عليها اسم باسكالين سنة ١٦٤٢. إلا أنه حديثاً (في منتصف القرن الماضي تحديداً) تم اكتشاف آلة أقدم من آلة باسكال. ففي سنة ١٦٢٣ بنى العالم الألماني فيلهلم سكيكارد (Wilhelm Schickard) آلة جمع مكونة من عجلات ومسننات بطلب من العالم الفلكي كيبلر. واستخدمت هذه الآلة قضبان عظام نابيير للحصول على نتائج الضرب الفرعية وعدّاد بسيط لجمع هذه النتائج. ولكن للأسف، لم تصل الآلة المخصصة لكيبلر إلينا لأنها دُمرت في حريق. ورغم عدم وجود أدلة على الآلة نفسها إلا أن هناك أدلة على أن سكيكارد بناها بعلامة رسالة أرسلها إلى كيبلر يوضح له كيفية استخدامها.

آلة باسكالين، أول حاسب ميكانيكي اخترعه باسكال سنة ١٦٤٢.

ومع أنه ليس الأول في هذا المجال، يستحق باسكال لقب مخترع أول آلة جمع تم إنتاجها بأعداد قليلة. ويُقال أنه اخترعها ليساعد والده المحاسب في مهماته الشاقة في مسك دفاتر المحاسبة. وتأتي باسكالين على شكل عداد يتم إدخال الأرقام فيه بإدارة العجلات فتظهر النتيجة في نوافذ صغيرة. وكان أهم ابتكار في هذه الآلة استخدامها حساب متمم ٩ لتجنب إدارة العجلات إلى الخلف من أجل تنفيذ عملية طرح. ولا تعمل فكرة المتمم إلا إذا استخدمنا ترميز للأرقام يدور على نفسه. فعلى سبيل المثال، إذا كان لدينا عداد يتسع لرقمين يقوم بالعودة إلى الصفر بعد الرقم ٩٩، وأردنا جمع ٧٠ على ٣٠ نحصل هلى النتيجة ٠٠ (٧٠ زائد ٢٩ تعطي ٩٩ وإذا أضفنا واحد يقلب العداد إلى ٠٠) ونستخلص من ذلك أن الرقم ٧٠ يتصرف مثل الرقم ٢٩ لأننا إذا جمعناه على ٢٩ نحصل على صفر مما يجعل من ٢٩ المتمم لـ٧٠. ونستنتج أنه يمكن الحصول على متمم أي رقم بطرحه من ٩٩ أو أي عدد من التسعات يحتويه العداد. لذلك تُعرف هذ الطريقة بمتمم ٩.

وسجلت باسكالين نجاحاً ملحوظاً مما دفع بباسكال ووالده إلى الاعتقاد أنها ستجعلهما ثريّين. ولكن الثروة لم تأتي بما تشتهي السفن. وقد يكون السبب أن المحاسبين خافوا على مهنتهم منها مع أنها كانت ستساعدهم على تسريع الكثير من الأعمال. إلا أن المحاسبين في ذلك الزمان كانوا قليلي الكلفة ورواتبهم زهيدة للغاية، فلم يتحمس أرباب العمل لفكرة دفع المال لتحسين أوضاعهم (لا تزال هذه العقلية سائدة حتى اليوم، أليس كذلك؟).

أما الخطوة التالية نحو الوصول إلى الحاسبة، فقام بها عالم الرياضيات الألماني غوتفريد ليبنيز (Gottfried Leibniz). واشتهر ليبنيز باختراعه علم حساب التفاضل والتكامل بالتزامن مع نيوتن والجدال الحامي الذي نتج عن ذلك بينهما. وتعرّف ليبنيز على باسكالين وأيقن مكامن ضعفها (يُنفذ الضرب بواسطة عمليات جمع متعددة) وحلّ المشكلة بإضافة عجلة ضرب جديدة. وكان هذا اختراعاً مدهشاً لأنه شكّل أساس كل آلات الحساب الميكانيكية التي أتت بعده حتى ظهور أجهزة الكمبيوتر الإلكترونية. وتم بناء آلتي حساب حوالي سنة ١٦٧٣ ولكن لم تصلنا إلا واحدة. وكان يمكن لهذه الآلة أن تغير وجه العالم لو لم يفقد ليبنيز اهتمامه بها.

عجلة ضرب ليبنيز: أساس كل الحسابات الميكانيكية.

وتابع ليبنيز أبحاثه في الرياضيات النظرية وبالتحديد في مسألة القاعدة العشرية للأرقام. فكان علماء الرياضيات مقتنعين بأن القاعدة العشرية هي أفضل ما تم اختراعه، إلا أن ليبنيز اقتنع بأن القاعدة الثنائية (أي الأعداد التي تُكتب بواسطة رقمي ١ وصفر فقط، وهي قاعدة عمل أجهزة الكمبيوتر) هي الأفضل.

والسبب الذي دفع بليبنيز إلى الاهتمام بالقاعدة الثنائية هو اقتناعه أنه من الممكن استخدامها لبرهنة وجود الله. وحسب المنطق الذي اعتمده، يدلّ الرقم ١ الى الله ويدلّ الرقم صفر إلى الفراغ الكوني. ولم يخلف هذا المزج بين الفلسفة والتصوف أي انطباع جيد ولكنه أقنع إمبراطور الصين. والمهم هنا هو السؤال التالي: ماذا كان سيحدث لو أن ليبنيز فكّر بالصلة بين آلته الحاسبة والنظام الثنائي للعدّ؟ قد يكون الجواب أن عصر المعلومات كان سيواكب ظهور المحركات البخارية!

وبعد باسكال وليبنيز، هدأت الأمور لأكثر من ١٠٠ عام على جبهة آلات الحساب الميكانيكية. ولم يكن السبب عدم الحاجة إلى هذه الآلات بل لأن دقة صناعة مكوناتها لم تكن متوافرة آنذاك.

ومن المعروف اليوم أن المعلوماتية تتكون من قسمين، الأجهزة والبرامج. ويمكن وضع الاختراعات العائدة لسكيكارد وباسكال وليبنيز في قسم الأجهزة. أما على صعيد المبرامج فلم تكن الجبهة ساكنة.

ففي العقد الأخير من القرن الثامن عشر، واجهت صناعة النسيج أزمة جدية. فكان المستهلكون يطلبون كميات متزايدة من النسيج وبزخارف أكثر تعقيداً وألوان أكثر عدداً ورونقاً. فكانت الموضة آنذاك تتطلب أقمشة موشحة بالطيور والزهور وحتى بالوجوه الآدمية. ولكن لم تستطع الأنوال في ذلك الزمان تلبية تلك الرغبات. فكان يجب صباغة النسيج وتطريزه لتجميله مما شكّل مهمة شاقة ومكلفة. وهنا جاء دور جان ماري جاكار (Jean-Marie Jacquard).

ولد جاكار في مدينة ليون الفرنسية لأب يملك مشغل حرير صغير تعمل فيه العائلة كلها. وكانت مهمة جان ماري الصغير الانزلاق تحت النول لتوجيه مرور المكّوك بين خيوط النسيج لرسم النموذج. ويُقال أنه وجد هذا العمل مملاً للغاية وشاقاً ليس أقله بسبب العلقات التي كانت تنزل على قفاه كلما أخطأ. وعندما ورث المشغل، أمضى حوالي ثلاثين سنة يحاول خلالها أتمتة العمل وكاد يفلس بسبب تلك المحاولات، إلى أن لاحظ أن حياكة رسوم معقدة، رغم كونها لا تخلو من الصعوبة، تتميز بالعمل التكراري. واستنتج أنه من الممكن «برمجة» هذا العمل مع أن الكلمة لم تكن موجودة بعد. فقرر استخدام «بطاقات مثقوبة» لتسجيل «برنامجه» عليها. وصنع هذه البطاقات من خشب وكانت تمرّ تحت مجموعة من القضبان المعدنية. فإذا لم يلاق القضيب ثقباً لا يحصل شيء (صفر في البرمجة) وعندما يلاقي ثقباً (١ في البرمجة) فيمر عبره ويفصل هكذا الخيط المعلّق به عن الخيوط الأخرى للسماح للمكوك بالمرور في المكان المناسب وهو العمل نفسه الذي كان ينفذه جان ماري الصغير يدوياً!

وهكذا يكون «البرنامج» مكوّناً من مجموعة البطاقات المثقوبة المتصلة ببعضها. وكانت آخر بطاقة متصلة بالبطاقة الأولى لتنفيذ «البرنامج» بشكل متواصل.

ويمكن القول أن نول جاكار كان أول كمبيوتر مبرمج ولم يكن ينقصه إلا مصدر طاقة ميكانيكي. وتم ذلك في بريطانيا بواسطة محرك البخار الذي اخترعه جيمس واط سنة ١٨٢٥. وفي سنة ١٨٩٠، اقتبس الأميركي هيرمان هولريث بطاقات جاكار المثقوبة لاستخدامها في الآلات الحاسبة المبرمجة الأولى. وعلى فكرة، فهيرمان هولريث هذا، هو الذي أسس شركة «آي.بي.إم.».

وعودة إلى جبهة الأجهزة، ففي سنة ١٨٢٠، بدأ أول مصنّع آلات حاسبة، الفرنسي توماس دي كولمار (Thomas de Colmar)، ببناء آلات ليبنيز. ولوضع هذا الحدث في إطاره الصحيح، بدأ شارلز باباج بالتفكير في آلة الفرق سنة ١٨١٢ وفي آلة التحليل سنة ١٨٣٠ وبالطبع لم يتم تصنيع إي من الآلتين (أنظر شارلز باباج: هل يعتبر أب الكمبيوتر ؟).

وبعد ذلك بدأت وتيرة تطوير الآلات بالازدياد. ففي سنة ١٨٧٠، صنعت شركة بولدوين أول آلات مزودة بأسطوانات دورانية. وتحولت هذه الشركة في ما بعد إلى شركة مونرو للحاسبات. وتشمل الأسماء الشهيرة في مجال الحاسبات شركات فريدن وسيلينغ وباروز. ومن الغريب أن القليل جداً من تلك الشركات تمكن من الدخول في مجال الكمبيوترات الإلكترونية. والحد الأقصى الذي وصل إليه معظم هذه الشركات هو صناعة طرفيات كهربائية أو ميكانيكية مثل طرفيات قراءة الأشرطة الورقية. وقد يكون الاستنتاج المنطقي من هذه الظاهرة هو أن التغيير التكنولوجي يأتي من الثورات وليس من التطور المتواصل. فإذا كنت لامعاً في التصنيع المعدني العالي الدقة، فلا شك أنك ستعلن إفلاسك عندما تصبح وسيلة تصنيع الأجهزة، إلكترونية.

ما وراء عظام نابيير

إذا دفع بك الفضول إلى التساؤل عن كيفية عمل عظام نابيير (تكون غريب الأطوار!)، فهذه الفقرة لك.

تعتمد عظام نابيير على عملية ضرب قديمة اسمها جيلوزيا (Gelosia) كانت معروفة في الهند منذ قديم الزمان ووصلت إلى الغرب عن طريق العرب. وكان الأقدمون يستخدمون ألواحاً عليها غبار أو رمل أو حتى طلاء لتنفيذ عملية الضرب.
أما العملية نفسها، فكانت كالتالي:

نكتب العددين المطلوب ضربهما على طرفي مستطيل مشبّك ثم نكتب النتائج الفرعية للضرب داخل الشبكة. وبما أن ضرب كل زوج من الأرقام يعطي عدداً برقمين، نكتب الرقم المناسب للعشرات في النصف القطري الأعلى من الخانة ورقم الآحاد في النصف القطري الأسفل (كما هو ظاهر في الرسم).

أخيراً، نقوم بجمع الأرقام الموجودة على خط قطري واحد للحصول على النتيجة النهائية.

وكانت عظام نابيير عبارة عن جداول ضرب مكتوبة على طريقة جيلوزيا. فنختار العظام المناسبة لأرقام العدد الأول ونقرأ نتائج الضرب الفرعية المناسبة لأرقام العدد الثاني. ثم نجمع هذه النائج الفرعية على طول الخط القطري لنحصل على النتيجة النهائية.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.