الصفحة الرئيسية > آباء الكمبيوتر > غريس هوبر: رائدة البرمجة و«رجل» العام ١٩٦٩
غريس هوبر: رائدة البرمجة و«رجل» العام ١٩٦٩
بقلم
معظم الذين صنعوا تاريخ أجهزة الكمبيوتر هم من الرجال. وليس الأمر مفاجئاً إذا نظرنا إلى الزمن الذي تطورت فيه الأجهزة الأولى والذي كان يتطلب معايير الهندسة الثقيلة وبالتالي العضلات أكثر مما يتطلب التفكير المنطقي. ولكن عندما يتعلق الأمر بالبرامج، تتغير الصورة نوعاً ما، ومن الشائع أن أول مبرمج هو آدا بايرن كونيسة لافليس (أنظر آدا كونتيسة لافليس: العلاقة بين الشِعر والبرمجة). غير أن آدا كانت الأولى في سلسلة طويلة من النساء المبرمجات. وبعد آدا، يمكن القول أن الأكثر شهرة وأهمية وتألق في جيش النساء هذا (أو قد تكون البحرية عبارة أصح من جيش)، العميدة البحرية غريس بروستر ماريه هوبر (Grace Brewster Murray Hopper). فلم تكن مسؤولة عن تطوير لغة كوبول وحسب بل كانت أيضاً وراء الضغوط الكبيرة على صناعة الكمبيوتر لجعلها أكثر سهولة للمستخدمين العاديين.
لا شك أن غريس هوبر عانت في البداية من كونها امرأة لها اهتمامات تكنولوجية. ويُقال أنها، عندما كانت طفلة، قامت بتفكيك منبّه لترى كيف يعمل. ولتعرف كيف يمكنها إعادة جمعه من جديد، قامت بتفكيك منبّه آخر، وهكذا حتى نثرت حولها أشلاء سبعة منبهات. ولم يؤنبها والداها كثيراً على هذه الفعلة لاعتبارهما أنها مؤشر على تفكير فضولي مع أنها، لو كانت صبياً لاندهش الأهل وبدأوا بتغذية هذا التفكير وتشجيعه.
وكانت نتائج غريس في الرياضيات جيدة في المدرسة خاصة في علم الهندسة الذي كان يتمتع بأهمية خاصة في تلك الأيام. وفي سنة ١٩٢٤ ذهبت غريس إلى مدرسة فاسار في نيو يورك لدراسة الرياضيات والفيزياء والهندسة حيث نالت باكالوريوس في الرياضيات. ثم انتقلت إلى جامعة يايل سنة ١٩٢٨ للحصول على ماجيستير ثم دوكتوراه في الرياضيات والرياضيات المطبقة على الفيزياء. ولكن لم يعتقها حبها لعلم الهندسة كما كان واضحاً من محتوى أطروحتها حيث وضعت معياراً جديداً لاختزال المعادلات الجبرية باستخدام حجج هندسية كانت قد بهتت موضتها حتى في تلك الأيام.
وفي تلك الأيام، إذا كانت المرأة لامعة في الرياضيات، فأقصى ما يمكن أن تصله طموحاتها هو تعليم الرياضيات في الصف السادس في المدرسة. ولكن غريس كانت مختلفة. ففي ١٩٣١ بدأت تصعد عتبات السلم في هيئة التعليم في مدرسة فاسار حيث بدأت كمعيدة ثم أستاذة مساعدة لتصل إلى أستاذة مشاركة، بُعيد زواجها من فينسانت هوبر الذي طلقته سنة ١٩٤٥ مما أعاد لها حريتها لمتابعة مساهماتها في مجال الكمبيوتر.
بعد دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، التحقت غريس باحتياطي البحرية سنة ١٩٤٣ لتحذو حذو جدها الذي كان عميداً فيها. واكتشفت البحرية سريعاً قيمة غريس، وبعد حلقات تدريب أساسية تم تعيينها سنة ١٩٤٤ في مكتب مشروع معلوماتية المعدّات في جامعة هارفارد برتبة ملازم. ومع أنها لم تهتم في حياتها بالكمبيوتر، إلا أنها وجدت نفسها في أكثر مراكز الكمبيوتر تطوراً آنذاك. وفي هارفارد، كان هاورد أيكن قد بنى جهاز مارك ١ وهو جهاز كهرو-ميكانيكي ضخم وبطيئ يجهد لتنفيذ ثلاث عمليات جمع في الثانية. وعندما وصلت غريس، سألها أيكن أين كانت وماذا كانت تفعل في الأشهر القليلة السابقة. ولم يعجبه أبداً ما كانت تفعله واعتبره إضاعة للوقت، فأشار إلى جهاز مارك ١ وقال لها «هيا، قومي بحساب معاملات استكمال دالة الظل المعكوسة. أريد النتيجة يوم الخميس القادم». وكتب إلى البحرية ليطلب منها إلغاء باقي الدورة التدريبية لأن هناك الكثير من العمل يجب تنفيذه في المركز (خاصة حساب معاملات استكمال دالة الظل المعكوسة مهما تكن هذه الدالة!).
وفي ذلك الوقت، كانت أجهزة الكمبيوتر لا تُعتبر أكثر من آلات حاسبة وطابعة كبيرة وكان جل ما تفعله هو إنتاج جداول الأعداد الكبيرة. وكان من المتوقع أن تهتم غريس بتوسيع دور الكمبيوتر ليشمل الفكرة الحديثة التي تقضي بأن الكمبيوتر يجب أن يتحول إلى معالج للرموز، لكن هذا العمل المهم لم يأت إلا لاحقاً. وكان وجود غريس مع أيكن في هذا المركز بمثابة تدريب أساسي على استخدام الكمبيوتر، فتعلمت البرمجة. وقرأت كتابات شارلز باباج وكتبت «دليل عمليات التحكم المتتالي بالحاسب الآلي» الذي بلغ ٥٠٠ صفحة وشرح المبادئ الأساسية لتشغيل أجهزة الكمبيوتر واخترعت كلمة «bug» (حشرة) أي خطأ البرمجة.
في الحقيقة، يمكن مناقشة مسألة اختراعها لهذه الكلمة، لكن إن اخترعتها أم لا، تبقى قصتها مع الكلمة طريفة. فكان جهاز مارك ١ مزاجياً وأخذ يعطي نتائج خاطئة. وبعد فحص أحشائه تبين أن العطل ناتج عن مفتاح تحويل علقت في وصلته فراشة صغيرة ماتت من شدة الضرب لدى فتح وإقفال المفتاح. فتم سحب الفراشة ولصقها في السجل الذي يحتوي كل نشاطات الجهاز مع الملاحظة: «أول حشرة (bug) فعلية عُثر عليها». والواضح من هذه الحادثة أن هوبر وزملاءها كانوا قد اعتادوا على تسمية أخطاء البرمجة بالحشرات. وبعد هذه الحادثة كان يأتي أيكن لتفقد العمل ويسأل إن كانوا ينتجون الجداول، فكانوا يجيبون أنهم يزيلون الحشرات من الجهاز (debugging)، وهي حجة استخدمها المبرمجون الكسالى منذ ذلك الحين وحتى اليوم.
ومن الواضح أيضاً أن أيكن كان رئيساً صعباً لأن هوبر أعلنت في عدة مناسبات أنها، على غرار أجيال من المبرمجين بعدها، كانت تمضي ليال طويلة في العناء المضني لكي يعمل كل شيء دون مشاكل.
بعد الحرب، قامت هوبر بالتدريس في هارفرد، وفي ١٩٤٩، دخلت إلى شركة إكرت-موشلي (أنظر الفصل المخصص لهما. أصبحت هذه الشركة في ما يعد ريمينغتون) التي كانت على وشك الانتهاء من بناء جهاز يونيفاك. وقبل أن يصبح هذا الجهاز جاهزاً، قامت ببرمجة جهاز بايناك وهو جهاز ثنائي (binary) صغير تم تطويره سراً لمشروع صواريخ سنارك. وكان هذا الجهاز يستخدم النظام الثماني (octal) لترميز عملياته مما دفع بغريس هوبر إلى البدء بالتفكير بطريقة ثمانية إلى درجة جعلها تجمع أرقام حسابها المصرفي بالنظام الثماني. وفي هذه الفترة أيقنت هوبر أن جهاز الكمبيوتر هو معالج رموز وليس فقط حاسبة كبيرة. وقد يكون ذلك عائداً أما إلى اطلاعها على الأفكار الفلسفية لشارلز باباج أو لأن الأجهزة أصبحت أقوى أداءً.

وفي البداية فكرت هوبر في إيجاد وسائل تجعل من أجهزة الكمبيوتر أسهل للاستخدام وذلك بإنشاء لغات برمجة أعلى مستوى من لغة الكمبيوتر. ومن البديهي التفكير بهذه الطريقة، لكن في تلك الأيام لم يكن هناك أي مصنّف (compiler) لترجمة اللغة الجديدة إلى لغة الكمبيوتر. وفي سنة ١٩٥٢، قامت هوبر وفريقها في شركة ريمنغتون ببناء المصنف A-0 وبررت ذلك بأنها كسولة ولا تعشق البرمجة بلغة الكمبيوتر وتأمل بأن المبرمجين بعد ذلك سيمكنهم الرجوع إلى أحضان الرياضيات بدلاً من إضاعة وقتهم في كتابة أوامر بهذه اللغة العقيمة. ولتشغيل هذا المصنف اخترع الفريق العديد من التقنيات الأساسية لترجمة اللغات العالية المستوى إلى لغة الكمبيوتر والتي جعلت من الممكن تصميم مصنفات أخرى في ما بعد. فعلى سبيل المثال، حلّت هوبر مسألة المرجع الأمامي باستخدام مساحة قفز ثابتة حيث يتم تخزين عنوان مقطع برمجي (routine) عندما يُعثر عليه لاحقاً في نص البرنامج. قد يكون كل ذلك غامضاً ولكن هوبر وضحته عندما قالت أنها فكّرت بهذا الاكتشاف عندما تذكرت أيام كانت في فريق النساء لكرة السلة وكانت التمريرة الأمامية خطة ذكية خلال المباراة. ولا تزال هذه التقنية مستخدمة حتى يومنا هذا بشكل أو بآخر. فمجموعة النقل «Think» في ويندوز مثلاً، تعتمد على هذه التقنية ويعتقد المبرمجون الذين يستخدمونها أنها ذكية ومتطورة.
وكان الاعتقاد بأن جهاز الكمبيوتر ينفذ عمليات حساب أرقام ولا يصلح لترجمة الرموز راسخاً لدرجة أن أحداً لم يعر أي اهتمام للمصنف A-0. وفي محاولة أخرى لتوسيع أفق استخدام الكمبيوتر، صممت هوبر أول برنامج تفاضلي للرموز (وهو برنامج حساب تفاضلي) ودعت الناس إلى عرض مسائل حسابية على هذا البرنامج لكي يجد الحلول لها. وحصل أن رجلاً تعس أمضى ستة أشهر يحاول إيجاد مشتقات دالة غاية في التعقيد عرض عليها المسألة، فقام برنامج هوبر بحل مسألته في ١٨ دقيقة! وظل الرجل مقتنعاً بأن هناك إنسان مختبئ داخل الجهاز قام بحل مسألته. وعلى صعيد أكثر بداهة، أظهرت هوبر أن مصنفها يتمكن من ترجمة برامج مكتوبة بالفرنسية والألمانية إلى لغة الكمبيوتر. وحلّت الصدمة بمدراء الشركة لأنهم لم يكونوا يتصورون أن جهازاً تم صنعه في الولايات المتحدة يمكنه فهم لغة إجنبية.
وبدأ رصيد هوبر يرتفع وأخيراً أُعطيت فرصة تصميم مصنف للغة برمجة واسعة. فصممت مصنف B-0 الذي تحول سنة ١٩٥٧ إلى فلوماتيك (Flow-matic). وتوجهّت اللغة التي يدعمها هذا المصنف إلى الاستخدامات التجارية ولكن أيقنت هوبر أن المستخدم العادي سيواجه بعض المصاعب في التعامل مع العبارات الحسابية المستخدمة في هذه اللغة مما دفعها إلى إدخال لغة مكونة من كلمات واضحة - مثلاً: «add one to total» بدلاً من «total = total + 1».
وبعد النجاح المنقطع النظير الذي لاقته لغة فورتران لدى الجمهور العلمي، وجد جمهور الأعمال نفسه مهملاً في مجال لغات الكمبيوتر. فكان الجواب لغة كوبول التي شملت الجزء الأكبر من فلوماتيك. وكان لغريس هوبر التأثير النهائي على لغة كوبول، ورغم عدم انضمامها إلى لجنة المقاييس، يمكن اعتبارها «أم لغة كوبول».
وبقيت غريس هوبر في احتياط البحرية كل مدة عملها على تحسين الاستخدام المتطور للكمبيوتر. وأبدت رغبتها في الانضمام إلى البحرية الفعلية لدى نهاية الحرب لكن كانت تخطت الأربعين من عمرها وكان من الصعب قبول طلبها. وفي سنة ١٩٦٦، تقاعدت هوبر برتبة قائد ولكن البحرية أعلمتها أنها لا تزال تحتاج إليها وبعد سبعة أشهر، طلب منها أن تعمل على توحيد لغات برمجة البحرية. فعادت إلى الخدمة بعد أن تجاوزت الستين ورُقيت إلى رتبة قبطان. وفي سنة ١٩٦٩ اختارتها جمعية إدارة معالجة البيانات لتكون «رجل العام» - مما لا شك أضحكها لأنها كانت مقتنعة أن النساء أفضل في البرمجة من الرجال!
ورُقيت هوبر إلى رتبة كومودور خلال احتفال في البيت الأبيض في العام ١٩٨٣ وفي السنوات اللاحقة نالت الاعتراف والتقدير اللذين حُرم منهما العديد من رواد الكمبيوتر الأوائل. وفي ١٩٧١، قامت جمعية آلات الكمبيوتر بإنشاء جائزة غريس ماريه هوبر للعاملين الشباب في مجال الكمبيوتر.
وفي ١٩٨٥ رُقيت إلى رتبة عميد - وهي الرتبة نفسها التي وصل إليها جدها - وفي السنوات التالية تقاعدت فعلياً. وخلال حفلة تقاعدها، قالت للبحارة الحاضرين أن البحرية اعتبرتها مسنّة عندما كان عمرها أربعين عاماً إلا أنها لم تخلع البدلة خلال السنوات الأربعين التالية. وعلى مدى خدمتها في البحرية كانت هوبر تلعب دور الدعائي إذ قدرت أنها ألقت حوالي ٢٠٠ محاضرة في السنة. ولم ينته عملها هكذا. فرغم تقاعدها من البحرية في سن الثمانين، بدأت تعمل في فرع العلاقات العامة لشركة دي.إي.سي. وتوفيت غريس هوبر سنة ١٩٩٢ لتكون أطول متحمسي الكمبيوتر نشاطاً.
بطاقة هوية
الاسم: غريس بروستر ماريه هوبر
تاريخ الولادة: ١٩٠٦
تاريخ الوفاة: ١٩٩٢
البلد: الولايات المتحدة
الاختصاص: البرامج
النظرية: لغات البرمجة
المنتجات: كوبول
الشركات: غير موجود
