الصفحة الرئيسية > آباء الكمبيوتر > جون إكرت وجون موشلي: رائدا الكمبيوتر الإلكتروني الرقمي

جون إكرت وجون موشلي: رائدا الكمبيوتر الإلكتروني الرقمي

بقلم جورج قندلفت

من صمم أول جهاز كمبيوتر؟ هذا هو نوع الاسئلة التي غالباً ما يسألها الأولاد المعروفون بحبهم لكل ما هو مؤكد وبشغفهم في تجميع كل ما يمكن جمعه، من الطوابع البريدية حتى المعلومات العامة. من كان أول الواصلين إلى قمة إفرست؟ من اخترع محرك الديزل؟ في بعض الأحيان هناك جواب واضح لا لبس فيه. إلا أنه في ما يتعلق بالكمبيوتر، فهناك تفاوت كبير في الآراء ومجال واسع للجدل. فعلى سبيل المثال، يمكن فتح النقاش حول ما الذي يكوّن جهاز الكمبيوتر. وهل هناك فرق بين أول آلة حاسبة وأول كمبيوتر؟ وهل يجب عليك بناء الجهاز فعلاً لتُعتبر مخترعه أو يكفي أن تصممه على الورق؟ وبمجرد أن تبدأ في محاولة الجواب على سؤال من اخترع الكمبيوتر، تدرك جلياً أن السؤال بحد ذاته لا معنى له. وقد يعتبر البعض أن جون برسبر إكرت (John Presper Eckert) وجون ويليام موشلي (John William Mauchly) هما أبوا الكمبيوتر الإلكتروني الرقمي. وأكتفي شخصياً بالاعتراف لهما بإنشاء أول شركة كمبيوتر، ويبقى على القارئ أن يحكم.

تحدثنا عن بعض العناصر التي أدت إلى ما قام به إكرت وموشلي في فصول أخرى من هذا الكتاب. ففكرة شانون باعتماد الحساب الثنائي كأساس لأجهزة الكمبيوتر واختراع فون نومان للكمبيوتر الذي يخزّن البرامج هما مثالين جيدين على ذلك. وفي أربعينات القرن الماضي، كانت الإلكترونيات علماً جديداً يكاد يكون غير موجود. ولم يكن من الواضح آنذاك، أن أفضل وسيلة لبناء جهاز كمبيوتر هي استخدام الإلكترونيات بدلاً من التقنيات الميكانيكية او الكهرو-ميكانيكية التي كانت هي السائدة بينما كانت الإلكترونيات محصورة في مختبرات الاختراع وتُعتبر مكلفة جداً وغير موثوق بها. وكان أي مهندس يبحث عن أمثلة لأجهزة كمبيوتر تعمل فعلياً، يجد أمامه أجهزة ميكانيكية متطورة للغاية مثل الآلات الحاسبة والكمبيوترات المتواصلة وآلات فرز البطاقات المثقوبة وإنشاء الجداول الحسابية. وإذا تعمق أكثر في البحث، فسيجد الأنظمة الأكثر تطوراً مثل محولات الهاتف الآلية المعتمدة على مئات المتابعات (relays) وأحاديات الاختيار. ولا شك أنه كان من المنطقي جداً الاعتقاد بأن خطة بناء كمبيوتر باستخدام المتابعات لا يشوبها أي عيب. والحال إن هذا ما فعله هاورد أيكن تماماً عندما طبّق تصميم باباج لآلة التحليل باستخدام ما يقارب المليون قطعة - معظمها من المتابعات - لإنتاج جهاز هارفارد مارك ١ لحساب «أي.بي.إم.».

وقد تكون المتابعات موثوقة لكنها بطيئة جداً. وقد يكون ذلك كافياً لمفاتيح محول الهاتف لكنه بالتأكيد ليس كافياً لأجهزة الكمبيوتر. وكانت عملية جمع واحدة تستغرق ٠٫٣ ثانية على جهاز هارفارد مارك ١ مما بعادل في ايام الكمبيوتر الشخصي التي نعيشها جهازاً يعمل بسرعة ٠٫٠٠٠٠٠٣ ميغاهيرتز! من الواضح اننا بحاجة هنا إلى شيء أسرع.

وكان الحل البدهي لهذه المسألة استخدام الصمامات. وفي ذلك الوقت كانت الصمامات تستخدم بأعداد قليلة كعناصر تضخيم وتقويم في أجهزة الراديو والأجهزة السمعية الأخرى وكان من السهل تصور استخدامها كمحولات تعمل ألف مرة أسرع من أفضل المتابعات. ولكن كان يلزم صمام واحد على الأقل لكل معبر منطقي وإثنان لكل وحدة تخزين وبالتالي نحتاج إلى عدد كبير جداً من الصمامات لبناء أصغر الكمبيوترات، فضلاً عن أن الصمامات كاللمبات تحترق بانتظام ويتحتم تغييرها. وهكذا، كان على أي رائد ينوي بناء جهاز كمبيوتر إلكتروني، أن يواجه احتمال أن كل محول سيوفر بضع ثوان من المعالجة الحسابية قبل احتراق أول صمام. ومن أطرف المناظر التي طبعت في ذاكرة ذلك الزمان منظر العاملين على اول أجهزة زودت بالصمامات: فكانوا يمضون ايامهم يتجولون في ممرات تحدها على الجانبين رفوف من الصمامات وكان عليهم التدقيق في كل واحد منها مما يجعل من مهمة سيسفوس العبثية تبدو كأنها سيران تسلية. وكان هناك مشاكل أخرى: كميات التيار الكهربائي الهائلة والحرارة الناتجة وصعوبة اكتشاف الأخطاء في هذا البناء الضخم. فكان معظم المهندسين يعرفون كيف يتعاملون مع دارات تحتوي على ثلاث أو أربع صمامات بينما كان يتطلب جهاز الكمبيوتر عشرات الآلاف منها!

وحتى لو كنا مقتنعين أن الصمامات هي الحل الأفضل، كان هناك أمور أخرى تدفع إلى الاعتقاد بأن الكمبيوتر الإلكتروني لا يشكل حلاً عملياً. فكان معظم المعالجات الحسابية آنذاك يتم بفضل أجهزة متواصلة ميكانيكية وكان لا يلزم أكثر من بضعة صمامات لبناء جهاز متواصل دقيق وسريع مقارنة بالأعداد الهائلة الضرورية لبناء جهاز رقمي.

وفرت الحرب العالمية الثانية الحافز الضروري لتطور تكنولوجي كبير، كان الكمبيوتر من أهم تجلياته. فاستخدام المدفع مثلاً قد يبدو عملية سهلة - التصويب ثم إطلاق النار. ولكن لإصابة الهدف، يجب معرفة الزاوية التي سترتفع بها سبطانة المدفع. ويتم ذلك عادة بالرجوع إلى «جداول قذف» تعطي الزاوية المطلوب استخدامها لإصابة هدف يبعد مسافة معينة وبحساب سرعة معينة للريح. ولا تشكل الحسابات الضرورية لتحديد قيمة واحدة من الجدول عملية صعبة (فهي من مستوى طلاب الشهادة الثانوية)، ولكن إنتاج جداول كاملة يديواً كان يتطلب من مختبر الأبحاث البالستية الأميركي تشغيل ١٥٠٠ شخص وجهازي حساب متواصلين لأكثر من ثلاثة أشهر عمل. وكان هذا المختبر دائماً متخلفاً عن مواعيد تسليم هذه الجداول.

وفي محاولة لمعالجة هذا التأخير المزمن، قام المختبر بتأسيس محطة كمبيوتر في مدرسة مور للهندسة الكهربائية التابعة لجامعة بنسلفينيا حيث تم اعتماد المحلل الذي بناه فانيفار بوش. وبدأ مسؤول هذه المحطة، هيرمان غولدستين، بالتحدث مع البروفسور الرياضي جون موشلي حول إمكان استخدام الصمامات لتسريع المعالجة. وكان موشلي قد نشر عدة دراسات حول استخدام الصمامات لتسريع أداء الكمبيوتر رغم أن الرأي السائد كان لا يزال يرى في الآلات المتواصلة الحل الأكثر عملية.

ولكن الصعوبة في الحفاظ على الدقة في آلة متواصلة جعل من المعالجة الرقمية، رغم كل مشاكلها، حلاً أكثر جاذبية. وكان لجون إكرت، وهو مهندس وزميل لموشلي بعد أن كان أستاذه، بعض الأفكار الشيقة حول جعل هذا العدد الضخم من الصمامات يعمل بشكل واقعي. فاجتمع الثلاثة - موشلي كاستشاري وإكرت كمهندس وغولدستين كمشرف مسؤول عن الاتصالات - وياشروا ببناء كمبيوتر رقمي إلكتروني صار يُعرف باسم الحاسب والدامج الرقمي الإلكتروني «إنياك» (Electronic Numerical Integrator and Calculator). وكان الهدف من هذا الجهاز المعالجات العامة مع التشديد على حساب مسارات قذائف المدفعية.

جون إكرت

وبدأ العمل ببناء «إنياك» عام ١٩٤٣ وانتهى نهاية عام ١٩٤٥، أي بعد انتهاء الحرب ببضعة أشهر. وكان هذا الجهاز ضخماً، يستخدم ما يقارب ١٨٠٠٠ صمام موزعة على رفوف طولها ١٠٠ قدم بارتفاع عشرة أقدام. وكان يستهلك من الطاقة الكهربائية ما يعادل استهلاك مدينة صغيرة ولم يكن من السهل التخلص من الحرارة التي كان يولدها. ولكنه كان يعمل. فكان بوسعه جمع رقمين بـ٠٫٢ من الألف من الثانية (أي ٥٠٠٠ عملية جمع في الثانية) وأدت هذه الزيادة في السرعة (١٠٠٠ مرة عن سرعة سلفه الكهرو-ميكانيكي) إلى تنفيذ عمليات لم يكن بالإمكان تنفيذها سابقاً. ولكن في مقاييس الكمبيوتر اليوم تعادل قوة حساب «إنياك» كمبيوتر شخصي يعمل بسرعة ٠٫٠٠٥ ميغاهيرتز (أفضل بكثير من الكمبيوتر المزود بمتابعات). وتمكن «إنياك» من العمل لفترة لا بأس بها (حوالي ٢٠ ساعة) بين حادثتي احتراق صمامات متتاليتين. وعمل «إنياك» لعشر سنوات وقام بتنفيذ كميات هائلة من الحسابات خلالها. ولم يقتصر عمله على حساب المسارات بل طال نماذج محاكاة انفجار القنبلة الهيدروجينية. واستحوذ الجهاز كذلك على الخيال الشعبي بعد استخدامه أمام الجمهور لجمع الأرقام ورسم مسارات القذائف في الوقت الحقيقي. وكان لا يحتاج إلى أكثر من 20 ثانية لحساب مسار قذيفة تحتاج إلى ٣٠ ثانية لبلوغ هدفها. وغذّت أضواء «إنياك» الوامضة وصفوف مفاتيحه العديد من أفلام الخيال العلمي التي لم تغيّر نظرتها إلى الكمبيوترات الضخمة كثيراً حتى يومنا هذا.

واختلف «إنياك» عن أجهزة الكمبيوتر الحديثة في عدة جوانب مهمة. فبالرغم من أعمال شانون وغيره، استخدم «إنياك» نظام الأرقام العشرية لتنفيذ حساباته كما لم يكن يحتوي على البنية الداخلية التي تميز الأجهزة الحديثة، كونه عبارة عن مجموعة من الدارات المنطقية التي يمكن وصلها ببعضها بطرق مختلفة. وكانت برمجته تتطلب لوحاً من المقابس والأسلاك يشبه كثيراً محول هاتف وأياماً عديدة لإنشاء «برنامج» يعمل لبضع دقائق.

إذن، هل كان «إنياك» أول جهاز كمبيوتر إلكتروني رقمي؟ يمكن اعتباره كذلك مع أنه لا يمكن الاتيان ببرهان على ذلك. وهناك منافسون جديون على الفوز بهذا اللقب منهم جهاز «كولوسوس»، وهو كمبيوتر سري لكسر الشيفرة، تم بناؤه في بريطانيا والأجهزة الإلكترونية المعتمدة على المحولات والتي بناها كونراد تسوزه في ألمانيا.

بعد «إنياك» جاء «إدفاك» وهو جهاز تخزين برامج حقيقي. فبدلاً من برمجته باستخدام لوح المفاتيح والأسلاك، يتمكن «إدفاك» من تخزين الأوامر البرمجية إلى جانب بياناتها مثل ما تفعل كل أجهزة الكمبيوتر منذ ذلك الحين. وتعود فكرة كمبيوترات تخزين البرامج إلى فون نومان بعد لقائه صدفة بغولدستين في محطة قطار. ولكن لا يوجد شيء اسمه فكرة مبتكرة بالكامل ولا شك أن إكرت كانت له مساهمة في تطور هذه الفكرة بالذات.

جون موشلي

وكانت أكبر مشكلة واجهاها في بناء كمبيوتر يعتمد البرامج المخزنة هي كيفية الحصول على الحجم الضروري لذاكرة هذا الجهاز. فكان استخدام الصمامات مكلف للغاية، فاقترح إكرت خطوط التأخير المعتمدة على الزئبق [1] من النوع الذي يستخدم في تخزين نبضات الرادار. وتبين أن هذه الطريقة ممكنة جداً إلا أن «إدفاك» لم يكن أول جهاز يقوم بتخزين البرامج فقد تم إنجاز جهاز كمبريدج عام ١٩٤٩ بينما لم يتم الانتهاء من بناء «إدفاك» إلا عام ١٩٥٢.

أما الأمر الغريب في هذه القصة، فهو أن إكرت وموشلي خرجا من مشروع «إدفاك» قبل إتمامه. ويعود ذلك إلى إصرار جامعة بنسيلفانيا على أن كل الاختراعات والبراءات الناتجة عن أشخاص موظفين في الجامعة تسجل باسمها. ورفض إكرت وموشلي التوقيع على القرار الذي يعطي حقوق التكنولوجيا التي أنشآها إلى الجامعة. ونتج عن ذلك استقالتهما من الجامعة مما أفقد كلية مور مركز الريادة في صناعة الكمبيوتر وأدى إلى إنشاء أول شركة كمبيوتر هي شركة التحكم الإلكترونية (Electronic Control Company). ومع أن الرهان لا يبدو كبيراً هنا إلا أن إكرت وموشلي جازفا بمركز آمن في الجامعة من أجل الخوض في صناعة توقع لها الخبراء سوقاً لا تتعدى ستة أجهزة في كامل الولايات المتحدة. والحال، فقد فشل إكرت وموشلي في إيجاد أي دعم لشركتهما مما دفع بوالد إكرت إلى تقديم ٢٥٠٠٠ دولار مدشناً بذلك عصر الشركات المبتدئة (startups) الذي نعيشه حالياً.

وحاول إكرت وموشلي العثور على شاري للجهاز الذي ينويان بناءه وللمرة الثانية في تاريخ الكمبيوتر في الولايات المتحدة تقدم مكتب إحصاء السكان ليبدي نيته في الشراء. فقد كان هذا المكتب يستخدم بطاقات هولريث المثقوبة والأجهزة الداعمة لها، غير أن البطاقات المثقوبة كانت ستقف عائقاً مهماً أمام الإحصاء المخطط له لعام ١٩٥٠. وفي حماسه لاستخدام الإلكترونيات، قدم المكتب عام ١٩٤٦، أول عرض تجاري لشراء كمبيوتر في التاريخ - وهو جهاز «يونيفاك» من بناء إكرت وموشلي - بسعر بلغ ٣٥٠٢٧٠ دولار.

وبدأ العمل في ١٩٤٦ ولكن لم يكن إكرت أو موشلي يتمتعان بمواهب إدارية واسعة وسريعاً ما بدأ التأخير يتكدس فوق التأخير مما أوقعهما في هوة الديون. ورغم ذلك تمكنا من إيجاد أربعة شارين لجهازهم ووضعا تقنيات ثورية منها محركات أشرطة التخزين الرقمية. إلا أن نقص التمويل كان يشكل هاجسهما الأساسي. وفي عام ١٩٥٠ انتقلت الشركة الذي صار إسمها شركة إكرت-موشلي إلى ملكية شركة رميغتون راند صانعة شفرات الحلاقة ومعدات المكاتب. ودفعت رميغتون راند ٢٠٠٠٠٠ دولار لإكرت وموشلي وأمنت توظيفهما لثماني سنوات.

وفي عام ١٩٥١، تم تسليم أول جهاز «يونيفاك» بعد تأخير ملحوظ وبكلفة زادت عن ميزانيته. وكان «يونيفاك» أول جهاز كمبيوتر تجاري في الولايات المتحدة (كما كان ليو ١ أول كمبيوتر تجاري في بريطانيا في السنة نفسها) وأثبت خطأ توقعات المتشائمين إذ لا يقل عن خمسين شركة تقدمت بطلبات شراء. وبين ليلة وضحاها أصبح «يونيفاك» نجماً تلفزيونياً حين توقع دون خطأ نتيجة الانتخابات الرئاسية. وظهر العنوان الرئيسي في إحدى الصحف في اليوم التالي ليقول: «آلة تصغّر الإنسان بذكائها»، وبدأ عصر الكمبيوتر حينها بجدية. وخسرت رميغتون راند وشركات عديدة غيرها مركز الريادة في هذه الصناعة لصالح «آي.بي.إم.» ولكن هذه قصة أخرى.


بطاقة هوية

الاسم: جون ويليام موشلي جون برسبر إكرت
تاريخ الولادة: ١٩٠٧ ١٩١٩
تاريخ الوفاة: ١٩٨٠ ١٩٩٥
البلد: الولايات المتحدة الولايات المتحدة
الاختصاص: الرياضيات الهندسة
النظرية: غير موجود غير موجود
المنتجات: إينياك وإدفاك
الشركات: شركة إكرت-موشلي للكمبيوتر، امتلكتها لاحقاً رميغتون راند.

[1] ذاكرات خط التأخير تستخدم طريقة تخزين بتأخير حركة الإشارات التي تمثل خانات الذاكرة وذلك بتمريرها في مواد لها خواص تأخيرية مثل الزئبق، مقارنة بسرعة الإشارات الكهربائية التي تتحرك بشكل منتظم.

أي رسالة أو تعليق؟

مراقبة استباقية

هذا المنتدى مراقب استباقياً: لن تظهر مشاركتك إلا بعد التصديق عليها من قبل أحد المدراء او المديرات.

من أنت؟
مشاركتك

لإنشاء فقرات يكفي ترك سطور فارغة.