الصفحة الرئيسية > آباء الكمبيوتر > هال: عميد الآلات القاتلة
هال: عميد الآلات القاتلة
بقلم
في ١٢ كانون الأول ١٩٩٧، حصل شيء غريب. قام عدد كبير من العاملين في مجال الكمبيوتر والمتحمسين له في كل من العالم الحقيقي والعالم الافتراضي، بالاحتفال بولادة جهاز كمبيوتر. الغريب في الأمر أن جهاز الكمبيوتر المحتفل بولادته لا وجود له. هو آلة خرافية ورغم ذلك حرك مشاعر قوية في روح علماء الكمبيوتر. لماذا؟
ولد «هال» (HAL) في ١٢ كانون الأول (يناير) سنة ١٩٩٧، أو كما يقول هو «أصبحت عملياً ... في مدينة أوربانا ولاية إلّينويس في الثاني عشر من كانون الأول ١٩٩٧». وهذه الآلة تلعب دور المجرم ذو الصوت الناعم في رواية آرثر سي. كلارك ٢٠٠١: ملحمة الفضاء (2001: A Space Odyssey) المترجمة فيلم بالاسم نفسه من إخراج ستانلي كوبريك.
في ١٩٦٦، راسل كوبريك كلارك وسأله إذا كان لديه أي فكرة عن موضوع لفيلم خيال علمي. وكان كوبريك قد أنجز للتو من فيلمه الشهير دكتور سترينجلاف وكان يريد موضوعاً يكون نوع من التكملة أو شيء يتطرق إلى مكان الإنسان في الكون. وكان كلارك قد ألف قصة قصيرة عنوانها الحارس سنة ١٩٤٨ كمشاركة في مسابقة نظمها راديو هيئة الإذاعة البريطانية. لم يدخلها كلارك في المسابقة لكنه اعتبر أنها فكرة جيدة لقصة خيال علمي. وتصف القصة اكتشاف جسم غريب على سطح القمر وهو عبارة عن جهاز إنذار ينطلق إذا تحسس وجود كائن بشري. شكلت هذه القصة وعدد من القصص الأخرى أساس العمل السينمائي.
فكرة جديدة
بدأ كلارك بكتابة الرواية بالتشاور مع كوبريك على طول الخط ومن ثم قام الاثنان بتحويلها إلى سيناريو سينمائي. وفي الحقيقة شكلت أول نسخة من الرواية مسودة أولية لحوالي ثلثي الكتاب النهائي وتوقفت قبل الخاتمة. وكان ذلك كافياً لكوبريك لكي يقنع شركتي إم.جي.إم. وسينيراما بدعم فيلم عنوانه رحلة إلى ما بعد النجوم» (journey beyond the stars) أو «كيف تمت السيطرة على المنظومة الشمسية» (how the solar system was won). ولكن لحسن الحظ في النهاية اسقر العنوان على ٢٠٠١: ملحمة الفضاء.

في ذلك الوقت كانت سنة ٢٠٠١ تبدو بعيدة بما فيه الكفاية لكي لا تبدو سخيفة نظراً لمستوى التطور التكنولوجي الفعلي ولكن ليست بعيدة إلى درجة قد لا يتخيلها الجمهور.
وعرض الفيلم قبل صدور الكتاب في ربيع ١٩٦٨ ولم يكن ناجحاً فقط بل ولّد تشويقاً كبيراً لإمكان السفر إلى الفضاء. كان الفيلم مذهلاً من الناحية البصرية مع مؤثرات مدهشة لتلك الفترة. وكاد مشهد محطة فضاء تدور بهدوء على وقع موسيقى فالس من يوهان شتراوس أن يصبح كليشيه سينمائي. إلا أن المشهد الافتتاحي للفيلم - تكتشف القرود انه يمكن لعظمة أن تتحول إلى سلاح أو أداة على وقع افتتاحية هكذا تكلم زرادشت القوية للموسيقار نفسه. وكان الفيلم انطباعياً لدرجة أن العديد من المشاهدين تساءلون ما عسى القصة أو حتى الرسالة تعني. وكان من الأمور الجاذبة في الفيلم تقديمه تكنولوجيا متطورة شكل كمبيوتر هال اسطع مثال لها.
وكانت الحبكة الأساسية للفيلم كما الكتاب بعثة إلى كوكب زحل. ولم يكن هال ٩٠٠٠ الدماغ الذي يتحكم بالسفينة الفضائية فقط بل كان من الذكاء بما يكفي لكي يعتبر العضو السادس في فريق السفينة. وأوضح كلارك أن هال تعني «كمبيوتر خوارزمي مبرمج استكشافياً» (Heuristically programmed algorithmic computer) ولكن شائعة درجت أن «هال» كان تحويراً لاسم «آي.بي.إم.» وذلك بأخذ الحروف التي تأتي مباشرة قبل حروف «آي.بي.إم.» في الأبجدية اللاتينية. وإذا كان كلارك على حق، يشكل ذلك مثالاً حياً للعثور على صلات حيث لا توجد صلات.
لمن شاهد الفيلم أو قرأ الكتاب سيبدو ما يلي مألوفاً. يكتشف «هال» عطلاً في إيه.إي.-٣٥ وهو جهاز أساسي للحفاظ على الاتصال بالأرض. وهناك ثلاثة من أصل خمسة رواد فضاء في حالة من الإنعاش المعلق (suspended animation) وأحد الرائدين المناوبين خرج لجلب الجهاز المعطْل. ولدى عودته إلى السفينة لم يعثر على أي خطأ في الجهاز فيقررا أن العطل في هال ويقرران إيقافه. وكأي كمبيوتر يتمتع بالتحليل المنطقي، يقرر هال بأن لا غنى عنه لنجاح المهمة وهو أمر تمت برمجته في داخله ويبدأ «بالدفاع عن نفسه». وأول ما يفعله هو إيقاف أجهزة دعم حياة الرواد الثلاثة النائمين. ثم يقتل الرائد الذي يقوم باستبدال جهاز إيه.إي.-٣٥. ويضطر الرائد المتبقي، دايف بورمان، للخروج من السفينة لاسترجاع الجثة. لكن «هال» يرفض السماح له بالعودة إلى السفينة. ويطلب بومان «هال افتح باب الكبسولة» ويجب هال «عذراً دايف لا يمكنني فعل ذلك».
ويبدو الحوار بين بومان وهال بارداً ومنطقياً. والاثنان يتكلمان ببطء وبوضوح دون أثر لأي انفعال. وهذا نموذج حي على الصراع بين الكمبيوتر والإنسان الذي علق في ذهن مشاهدي الفيلم. وما حصل بعد ذلك كان لا مفر منه إذ أن الإنسان ينتصر. فيعود بومان إلى السفينة من فتحة طوارئ ويقوم بإيقاف هال بسحب شرائح الذاكرة واحدة تلو الأخرى. ومع تحول الكمبيوتر تدريجياً إلى ما يعادل حاسبة الجيب يبدأ بالتقهقر. فيكشف تاريخ «ميلاده» سنة ١٩٩٧ وأخيراً يبدأ بغناء أنشودة معروفة ببطء تدريجي قبل أن ينطفئ كلياً.
وبالطبع، أدى إقراره بتاريخ ولادته إلى الاحتفالات التي جرت في ذلك اليوم والتي تجري بصخب أقل في ١٢ كانون الثاني من كل سنة. هناك أيضاً كتاب علمي HAL’s Legacy: 2001›s Computer as Dream and Reality حول الموضوع.
ميلاد أو لا ميلاد
قد نكون في سنة ١٩٩٧ ولكن من البديهي لكل من له معرفة بصناعة الكمبيوتر أن هال لم «يولد» في أي مكان حالياً. إضافة إلى ذلك فإن تقدير ظهور ذكاء اصطناعي قوي كهذا لا يزال بعيداً. أما كم هو بعيد، فهذا يرتبط بتفاؤل الناس وبمقدار تعاطيهم بالذكاء الاصطناعي [1]. وكان هال يتمتع بكل شيء إضافة إلى الذكاء الاصطناعي. فكان مزود ببصر اصطناعي وتعرف على الكلام وإنتاج الكلام وأهم من كل ذلك القدرة على الفهم. تمكن حتى من قراءة حركة الشفاه ليكتشف ما كان الرائدان يخططان له وهي مهمة إدراكية غاية في الصعوبة حتى للبشر.
وركّزت الاحتفالات بميلاد هال الافتراضي على استشعار مدى بعدنا عن إنتاج هال حقيقي. وليس من الواضح ما هو هدف هذا التحليل ولكن يبدو أن معظم المشاركين فيه منحازين لتعزيز وهم انه يمكن بناء هال ولا ينقصنا إلا العزيمة. أو في أسوأ الأحوال يمكن بناؤه بعد بضعة سنوات أيضاً إذا صممنا على ذلك.
ويلعب هال الشطرنج مع طاقم السفينة مما دفع إلى الربط بكمبيوتر ديب بلو، وهو أفضل آلة للعب الشطرنج حالياً، والذي يتمكن من التفوق في هذه اللعبة على بطل العالم. هذا صحيح ولكن المقارنة ليس في محلها إذ أن هال يملك ذكاء جامع يغطي كل مجالات التفكير البشري. فهو يتكلم ويناقش في الشعر ويرى. لا يكتفي بإدخال مواقع أحجار الشطرنج وإخراج إحداثيات الحركة التالية. ومع أن ديب بلو مدهش ولكنه متخصص بمهمة واحدة لا يعرف غيرها وهي حساب كل الحركات الممكنة في لعبة الشطرنج وإخراج أفضل حركة. فهو لا يرتقي إلى مستوى هال.
في النهاية، زعم بعضهم انه يكفي تجميع كل شيء في مكان واحد وسنحصل على هال عملي في مدينة أوربانا إذا أمكن. بالطبع هذا هراء، فالمكونات كلها تعمل حسب مبادئ مختلفة ولا يوجد حالياً ذكاء شامل ضروري لتصميم آلة مرنة.
لا نزعم انه لا يمكن أبداً بناء هال بل وتيرة التطور الحالية أبطأ مما يتصوره المتفائلون. قد يأتي يوم يظهر فيه اختراق تقني يتيح الوصول إلى الذكاء الاصطناعي. ولكن إذا اتكلنا على وتيرة التطور الحالية نحو ذكاء شامل، بالتأكيد سنحتاج إلى أكثر من أربع سنوات.
هل نحتاج إلى هال؟
لا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي هو بحث عقيم بدون أي تطبيقات عملية. فيمكن إحراز تطوير في مجالات محددة مثل إعطاء الكمبيوترات مهارات مفيدة يمكن أن تحسن عمل الإنسان. ولكن حالياً يبدو أن العمل ضمن فريق بشري هو استراتيجية أفضل من محاولة بناء ذكاء اصطناعي كامل وقائم بنفسه. فهل نحتاج فعلاً إلى كمبيوترات تتذوق الشعر وتتمتع بمشاعر وتشترك في دردشة اجتماعية؟
ولا يشكل الفشل في بناء هال في الوقت المحدد اعتراف بالهزيمة. فلا يدعي فيلم ٢٠٠١ أن يكون خبيراً في استشراف المستقبل. وفي مجالات تكنولوجية أخرى كان متفائلاً اكثر من اللزوم. فمن المشكوك فيه أن بحلول سنة ٢٠٠١ سيكون هناك سفريات منتظمة إلى القمر ولا يزال الانصهار البارد نوع من النكتة أو الحلم.
وأفتقد الفيلم تقنية تصغير المكونات الإلكترونية (miniaturisation) التي أصبحت متاحة اليوم وهي في تطور مستمر. فلا وجود للكمبيوترات المحمولة ولا للمفكرات الإلكترونية. وتبدو الإلكترونيات في الفيلم قديمة ولا وجود لشبكة إنترنت ولا عوالم افتراضية ولماذا يلعبون الشطرنج؟ وحتى هال نفسه ضخم يشبه جهاز إيواني عليه قشرة من التبرج. وليس كل ما سبق انتقاد مهم للفيلم ولكن يبدو أن أرثر سي. كلارك استفاد من شهرة منسوبة له بأن خياله العلمي قريب جداً من العلم الحقيقي. وبما انه الرجل الذي تنبأ بالاتصالات عبر الأقمار الصناعية، يؤخذ كل ما يكتب على محمل الجد. هذا مثل إعادة الفضل في اختراع صواريخ سويوز وأبولو إلى الكاتب الفرنسي جول فيرن الذي ألف رواية «من الأرض إلى القمر» في القرن التاسع عشر. وإذا اردنا أن نعطي أهمية إلى كتاب الخيال العلمي فيجب أن تنحصر في جودة خيالهم ومؤهلاتهم الأدبية.
وإذا كان هذا صحيحاً وهال لا يعدو كونه مجرد كمبيوتر خيالي دون أي زعم بكونه تنبؤاً بالمستقبل فلماذا نحتفل إذاً؟ فقد ظهر عدة كمبيوترات خرافية قبل هال وكثير منهم شريرون. لماذا لا نحتفل بجهاز «كولوسوس» الذي يسيطر على العالم في فيلم «مشروع فوربين» (١٩٧٠) أو كمبيوتر ملتيفاك الضخم الذي يظهر في عدة قصص لإسحق عظيموف؟
قد يكون السبب مؤهلات هال العالية أو كونه كثر جاذبية للذين يحلمون ببناء ذكاء اصطناعي. فبرغم قيام هال بقتل أربعة أشخاص، نفذ عمليات القتل بتهذيب مفرط. في المختصر، إنه قاتل مهووس لكنه محبّب. فهل من المعقول أن يكون علماء الكمبيوتر غير مؤهلين اجتماعياً إلى درجة انهم أخطؤوا في قراءة شخصية هال أو، وهذا أسوأ، انجذبوا إليه؟ هذه قدية علم نفس لا مكان لها هنا، وهي نظرة سلبية للغاية إلى علماء الكمبيوتر. أعتقد أن القضية لا تعدو كونها البحث عن أي سبب للاحتفال، فميلاد سعيد هال لأي سبب كان!
بطاقة هوية
الاسم: هال ٩٠٠٠
تاريخ الولادة: ١٢\٠١\١٩٩٧
البلد: المملكة المتحدة
الاختصاص: التحكم
النظرية: غير موجود
المنتجات: غير موجود
الشركات: مصنع هال
[1] إضافة لاحقة: كان يجب الانتظار حتى ٢٠٢٢ لمشاهدة أول إرهاصات ما يسمى بالذكاء الاصطناعي.


